Posted On مايو 28, 2025

الجزء الثالث – النهاية التي لا تنتهي

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> عوالم متداخلة >> الجزء الثالث – النهاية التي لا تنتهي

أحيانًا أسأل نفسي:

لماذا لم أعد أرى العالم كما كان؟

لماذا صار الصمت رفيقي، والظلال مأواي؟

لم أجد إجابةً إلا في عيون الدعسوقة وهي تزحف ببطء فوق يدي، كأنها تخبرني أن العالم الحقيقي ليس في صخب الشوارع، ولا في أحاديث المجالس، بل في تفاصيلٍ صغيرةٍ تهرب من انتباه الناس.

صرتُ أرى في كل ورقة شجرةٍ حكايةً، في كل قطرة ندى حلمًا.

كنتُ أقتات على هذا الجمال البسيط، ألوّن وحدتي بألوان الطبيعة التي لا تحتاج إلى تبريرٍ أو إذنٍ من أحد. كنتُ أقرأ قصائد المطر في صوت انهماره، و

أبتسم حين تتفتّح الزهور وكأنها تقول لي:

“الحياة تستمرّ حتى لو نسيتك المدينة.”

كنتُ أجلس ساعاتٍ طويلةٍ تحت شجرةٍ معمرة،

أراقب الغيم يمرّ خفيفًا، يوشي السماء ببياضٍ ناعمٍ لا تدنسه أيدي البشر.

كنتُ أرسم بعودٍ صغيرٍ على التراب حروف اسمي،

وأمسحها كلما اكتملت.

أردتُ أن أقول لنفسي:

لا شيء يدوم،

حتى الحروف التي نكتبها على صفحات العالم تزول…

وحدها الحقيقة في قلوبنا تبقى.

في تلك اللحظات التي يخلو فيها الكون إلا من صوت الريح،

كنتُ أسمع همس قلبي واضحًا.

لم أعد أهرب منه أو أحاول إسكات نبضه.

صرتُ أستمع إليه كصديقٍ قديمٍ يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

كان يقول لي:

“لا تحزن لأنك وحدك، فالوحدة أحيانًا هديةٌ لا يقدّرها إلا من ذاق مرارة الزحام.”

وذات مساء،

وأنا أجلس عند ضفة جدولٍ صغيرٍ،

رأيت القمر ينعكس على الماء كمرآةٍ للروح.

كان هلالًا خجولًا يراقبني بصبر.

حدثته في صمتي:

“يا قمر، هل تعرف ما معنى أن تُولد مرتين؟

مرةً حين يصفعك العالم لتكبر،

ومرةً حين تختار أنت أن تولد من جديد،

بعيدًا عنهم جميعًا.

” لم يجبني القمر، لكنه ابتسم في ضوئه الفضي،

كأنه يبارك ولادتي الأخيرة.

قرب الجدول،

كانت بعض الحشرات تتراقص فوق الماء.

فراشاتٌ صغيرةٌ ملونةٌ،

تلوّن الليل بأجنحتها،

كأنها تعاند العتمة بإصرارها على الرقص.

تعلمتُ منها أن الرقص أحيانًا هو الصرخة الوحيدة التي لا يسمعها إلا من اختبر عمق الألم.

صرتُ أتحرر معها،

أحرك يدي كمن يرسم لحنًا في الهواء،

حتى وإن لم ترَ عيوني جمهورًا يصفق.

ثم جاء الذئب،

عائدًا من جولة صيده.

جلس بقربي كعادته،

يضع رأسه بين يديه كأنه شيخٌ عجوزٌ يحمل فوق كتفيه أعباء الغابة كلها.

لم يكن جائعًا، ولم يكن بحاجةٍ إلى طعامٍ أو دثار، لكنه كان بحاجةٍ إلى رفيقٍ لا يسأله: “أين كنت؟” أو “لماذا تأخرت؟” وأنا… كنتُ الوحيد الذي لا يسأله شيئًا.

أحيانًا، كنتُ أغني للذئب ليلًا أغنياتٍ من تأليفي، بصوتٍ مبحوحٍ يشبهني. كنتُ أحكي له عن حلمي بأن اصبح شجرةً لا تثمر إلا ظلًا، عن رغبتي في أن أعيش عمرًا كاملًا دون أن تلوثني ألسنة الناس.

كان الذئب ينصت لي،

يهز رأسه ببطءٍ،

وكأنه يفهمني أكثر مما فهمتني مدن البشر.

في بعض الليالي،

كان البرد يشتد حتى تكاد أطرافي تتجمد. كنتُ أضم نفسي إلى صدري، وأقنع قلبي أن لا شيء يدوم… لا دفء الشتاء، ولا قسوة الوحدة. في تلك اللحظات، كان دفء الذئب كافيًا. كنتُ أضع يدي فوق فرائه، أغمض عينيّ، وأتنفس مع أنفاسه. كان صوته الخفيض حين يزفر يعلّمني أن الألم يمكن أن يصبح موسيقىً حين نقبله كجزءٍ من وجودنا.

في صمتي الطويل، تعلمتُ أن أصادق الليل.

لم أعد أخشاه، بل صرتُ أراه صديقًا وفيًا، يفتح لي قلبه كلما أغلقتُ أبواب العالم. الليل كان يعلّمني أن أرى ما لا يُرى، أن أصغي إلى أغنيات الحشرات وهمسات الريح، وأن أفهم أن الوحدة ليست سجنًا، بل ملاذٌ أخيرٌ لمن تعب من أحكام الآخرين.

كانت الدعسوقة ترافقني في رحلتي.

أحيانًا تتسلق جذع شجرةٍ أمامي، وأحيانًا تزحف فوق يدي، كأنها تقول لي: “حتى أضعف الكائنات تملك القدرة على التمسك بالحياة.” كنتُ أرى فيها رمزًا لكل شيءٍ نقيٍّ لم يلوثه البشر: الصبر، الخفة، والجمال الذي لا يُعلن عن نفسه.

مع مرور الوقت، صار المكان بيتي. صارت الأرض فراشي، والسماء لحافي. صارت ضحكات العصافير زينة أيامي، وصار وجع الذئب قصيدتي التي أرددها كل مساء. لم أعد أحتاج لأحد. لم أعد أشتاق إلا لهذا الهدوء، الذي صار في روحي وطنًا.

ومع ذلك… لم أكن أنكر أن في القلب بقعةً من نورٍ تُضيء أحيانًا حين أتذكّر طفولتي التي سرقوها، وحين أستعيد صورة أمي وهي تمشط شعري في صباحٍ قديمٍ. تلك اللحظات لم أعد أراها في وجوه البشر، لكنني أجدها هنا، في عيون الدعسوقة التي لا تكذب، وفي نظرات الذئب الذي صار مرآة وحدتي.

أحيانًا، يزورني طيفٌ من الماضي. صوتٌ يهمس لي: “هل أنت سعيدٌ حقًا هنا؟” فأبتسم، أجيب الصدى في قلبي: “أنا هنا… لا أحتاج أن أكون سعيدًا كما يفهمون السعادة. أنا مكتفٍ، وممتلئٌ بصمتي، وهذا يكفيني.”

تعلمتُ أن أعيد تعريف الكلمات: السعادة صارت لحظةً أنظر فيها إلى الفراشات تطير في حريةٍ تامة. الحب صار لمس الدعسوقة ليدي دون خوف. الألم صار عواء الذئب في الليل، عواءً لا يطلب شفقةً، بل يعلن أن العالم واسعٌ حتى للأحزان.

في أحد الصباحات، استيقظتُ على زقزقة عصفورٍ صغيرٍ، كان يلوّح بجناحيه كأنه يودعني. وقفتُ أراقبه حتى غاب في زرقة السماء. لم أحزن. أدركتُ أن حتى الطيور تعلّمني أن الرحيل أحيانًا ضرورةٌ، لا خيانة.

وفي المساء، جلستُ على صخرةٍ مرتفعة، أراقب الشمس وهي تغيب خلف الجبال. كان لونها ذهبيًا كأنها تحرق السماء قبل أن ترحل. شعرتُ أنها تشبهني… ترحل كل يومٍ، لكنها لا تموت. كل يومٍ تولد من جديد، بلا خوفٍ من الفناء. هنا، في هذا المشهد الأخير، أدركتُ معنى البقاء: أن تكون مستعدًا لتودّع كل شيءٍ، حتى نفسك القديمة، لتجد نفسك من جديد في تفاصيلٍ لا يراها سواك.

الذئب جلس بقربي، عيونه تلمع في ضوء الغروب. الدعسوقة رقدت فوق يدي، ساكنةً كقلبٍ وجد أخيرًا سلامه. ابتسمتُ. لم أعد أحتاج العالم… العالم هنا، بيني وبين كائناتٍ لا تعرف الكذب.

وهكذا… صرتُ أنتمي لهذا الفراغ المملوء بالمعنى. صرتُ أكتب اسمي على الريح، أتركه يغني للأبد. صرتُ أرى في وحدتي جنةً لا أبواب لها، ولا قيود. دعهم يبحثون عني… لن يجدوني في خرائطهم. سيجدونني فقط في أغنية الطيور، في دموع الذئب، في جناحي الدعسوقة.

هذه النهاية التي لا تنتهي…

لأنني أخيرًا تعلمتُ أن أكون هنا:

حاضرًا بكلي،

غائبًا عن عالمهم.

أغني أغنية الوحشة…

وأبتسم،

لأنني حرٌّ.

Related Post

العنقاء الذي اختار أن لا يحترق

https://youtu.be/1e9B31FLT-s?si=UVL1J4zSTQ0jA7vp لم أكن رجلًا من لحمٍ وعظمٍ فقط… كنتُ شيئًا آخر. كائنٌ تجاوزته الحكايات وخافت…

الجزء الاول : أغنية الوحشة,, التي تنزف من القلب

ما عدتُ أبحثُ عن شيءٍ في وجوه البشر… قررتُ الرحيل، لا إلى مدنٍ جديدةٍ ولا…

IV عندما يخلتط اللقاء في الوداع

.ترددت، لكن الريح دفعتها، والبرد في عظامها جعلها تقرر: “أحتاج دفئًا… ولو كان دفء السراب.”…