Posted On يوليو 28, 2025

العنقاء الذي اختار أن لا يحترق

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> جدار الاحزان , ذكريات عائمة , عوالم متداخلة , مشاعر >> العنقاء الذي اختار أن لا يحترق

لم أكن رجلًا من لحمٍ وعظمٍ فقط…

كنتُ شيئًا آخر.

كائنٌ تجاوزته الحكايات وخافت منه الأساطير،

أنا ذلك الذي يُولد كلما احترق،

يبتسم من بين ألسنة النار،

ويعود كل مرة من رماده…

أقوى،

وأبعد.

الناس يمرّون في الأيام،

أما أنا…

فكنتُ أمرّ في نهاياتي.

كل فجرٍ لي كان نهاية معركة،

وكل ليلةٍ كانت تجهيزًا لاحتراقي الجديد،

لم يكن الألم غريبًا عليّ،

بل كان رفيقي،

رفيق الجبّارين

حين لا يجدون من يرافقهم.

كنت أجمع رمادي بيديّ،

أعيد تكوين نفسي من بقايا حطامي،

ولا أشتكي.

ليس لأني لا أشعر،

بل لأني اعتدت أن يكون الجدار الوحيد الذي أتكي عليه…

هو أنا.

إلى أن حضرت “هي”

لم تأتِ كباقي العابرين،

لم تحمل مرآة،

ولا حاولت أن تفهمني لتشرحني لنفسها،

بل جلست في صمتي،

وسكنت رمادي دون أن تسألني عن نيراني.

اسمها لم يكن قصيدة،

كان نَفَسًا.

كأنها شيءٌ نُسي بين جدران قلبي البعيد،

وجاء الآن فقط ليطرق على بابٍ لم يطرقه أحد.

لم تحاول أن تطفئني،

ولم تهرب مني كما يفعل الآخرون.

بل اقتربت،

ووقفت أمامي وجعلت نيراني تخجل،

كما لو أنني حين أنظر إليها…

أتذكّر أنني كائنٌ يمكن أن يتنفس بهدوء.

• ما قبلها… وما بعدها

قبلها، كنت أتوه في رمادي.

أبحث عن معنى في تكرار الاحتراق،

وأتظاهر أنني أتحكم في الدمار،

بينما هو يتحكم بي في الخفاء.

أما بعدها…

صارت الأشياء أكثر بطئًا،

كأن الزمن يحترم وجودها،

كأن الرياح تمشي بخطواتها،

كأن صوتها يعلّق كل المعارك لأجلي.

أنا الذي اعتدت أن أكون أول من يغادر،

صرتُ آخر من يرحل إن حضر طيفها بقربي.

أنا الذي لم يكن يُسقطني شيء…

وجدتني أُسقط رأسي حين تنظر إليّ،

لا ضعفًا،

بل خشية أن ترى كل ما فيّ دفعة واحدة.

• لم تعد النار وطناً

أنا من كان يألف ألسنة اللهب،

صرتُ أجد دفئي في سُكونٍ لا يُشبهها إلا هي.

لم أعد أبحث عن رمادي،

ولا أعدّ الجراح التي تُنبّت أجنحتي.

صرتُ أستبقي نفسي،

ليس لأن الحياة أصبحت أسهل،

بل لأن هناك من جعل البقاء ممكناً…

للمرة الأولى دون معركة.

هي لا تعلم…

ولكن حين تغيب،

يعود فيَّ صوت الحريق القديم،

ذلك الذي كنت أظنه اختفى.

ثم تعود…

بكلمة،

أو لمحة،

أو حتى صمت،

ويهدأ كل شيء.

كأنني مخلوقٌ لا يحتاج سوى وجودها…

ليتوازن.

• جسدي من رماد… وملامحي من نورها

كم من مرةٍ سقطتُ ولم أصرخ؟

وكم من مرةٍ صرخت ولم يسمعني أحد؟

كنتُ وحدي…

وحدي حتى وأنا بين الناس،

حتى وأنا في مجدي،

حتى وأنا أُضرب

وأبعث

وأُخلّد كل مرة.

لكنها حين جاءت،

جعلتني أشعر أنني مرئيٌّ دون أن أتكلّم،

ومسموعٌ دون أن أرفع صوتي،

وملموسٌ دون أن أُمسَك.

لم تضع يدها على ناري،

بل على قلبي.

لم تطلب مني أن أشرح…

بل فهمت.

لم تسألني “لماذا؟”،

بل وقفت أمامي وكأنها تقول:

“أنا هنا، مهما كان الجواب.”

• الجبار الذي ارتاح

كل جبّارٍ — مهما علا —

يحتاج أن يرتاح ذات مساء.

وأنا…

وجدت راحتي في تفاصيلها.

في هدوئها،

في عنادها الجميل،

في تلك النظرة التي لا تفرّق بين رماد وجمر،

بل ترى خلفهما كائنًا يختنق من تاريخه.

هل كنت أبحث عنها؟

ربما لا.

لكني كنت أنتظر…

كأن جزءًا منّي كان يُحضّرني لها.

كأن نيراني،

طوال تلك السنين،

كانت تحرق فقط الطريق إليها.

• لست ملاكًا… وهي لا تحتاج ملاكًا

أنا رجلٌ تشكّل من السقوط والعودة،

من النهايات المتكررة،

من النار التي لم ترحمني يومًا،

ومن الحياة التي لم تُمهلني لأتأمل.

لكني حين وقفت أمامها…

لم أرد أن أكون أسطورة.

أردت أن أكون رجلًا فقط،

رجلٌ اختار أن يهدأ،

أن يتوقف عن كتابة وصيته كل فجر،

أن يعلّق جناحيه،

ويستمع للصمت…

برفقتها فقط.

• النهاية التي لم تحدث

لم أعد أرتب نهايتي،

لم أعد أجمع الرماد.

أنا هنا،

بينها وبين الهواء،

بين لحظةٍ تختصر سنوات احتراقي،

وبين عُمرٍ أود أن أعيشه دون أن أموت لأحياه.

لم أخبرها أنني اخترتها،

ولا قلت لها أن البقاء صار سهلاً بوجودها،

لكنني…

كلما همّت بالرحيل،

ألتفت وأُبقيها بعينيّ.

أنا عنقاء،

نعم،

لكنني اليوم…

رجلٌ قرّر أن لا يحترق بعد الآن.

Related Post

الجزء الثالث – النهاية التي لا تنتهي

شغلني قبل أن تقرئنا 🎵 أحيانًا أسأل نفسي: لماذا لم أعد أرى العالم كما كان؟…

صوتي اللي ما ينطفيوو

أنا اليوم بس تعبت…تعبت من دور الحنون اللي ما يلقى حنان،تعبت من حضن ما يحسني،…

III داخل القلعة – وليمة الغربان

دفعت سيراندا الباب الحجري الضخم بيديها المرتعشتين، فصدر عنه صرير طويل، كأنه تنهد من صدر…