حين عدتُ لأورفيوس بقلبي الجديد
لم أكن أبحث عنه…
لكنني وجدت نفسي أمامه من جديد.
في ذلك المكان الذي تركت فيه أحزاني معلّقة على وتد أغنيته،
عدتُ…
لكنني لم أكن كما كنت.
عدتُ بقلبٍ ممتلئ،
بعينين ذاقت الضوء،
بيدين ارتجفتا من دفء امرأة لم تأتِ لتُداوي،
بل لتخلق.
حين رأيته،
كان كما عهدته…
جالسًا على صخرةٍ لا زمن لها،
قيثارته ساكنة،
وصمته أثقل من أغنيته الأخيرة.
لكني لم أره كمعبدٍ للحزن كما من قبل،
بل كمرفأٍ لوداعٍ متأخر.
اقتربتُ منه وقلت، بنبرةٍ يقطر منها الفرح:
“وجدتُها، أورفيوس.”
رفع عينيه بصمت.
كان في نظراته شيء من التريث،
كأن الحياة علمته أن لا يفرح سريعًا،
وكأن العائدين من الحبّ كثيرًا ما يعودون ليبكوا.
“وجدتُ المرأة التي لم تأتِ لتكملني،
بل نزعتني من جلدي،
وغسلتني بالدهشة.
امرأة لم تُشعل قلبي فقط،
بل رتّبت فوضاه،
ثم سمّت كل زاوية باسمي من جديد.”
ظلّ صامتًا…
فقلت له وأنا أبتسم ابتسامة من خرج لتوّه من الجحيم ووجد الماء:
“أورفيوس… لقد شُفيت.”
مرّت لحظة طويلة لم يقل فيها شيئًا.
ثم أدار وجهه نحو البحر – ذلك البحر الذي لا يُرى في خرائطنا –
وقال بصوتٍ لا يشبه الفرح:
“كل الذين قالوا إنهم شُفوا…
عادوا إليّ.”
قلتُ وقد أربكني:
“لكنني لا أعود إليك حزينًا،
بل أعود لأشكرك.”
أجاب، دون أن ينظر في عيني:
“وهنا تبدأ الكارثة.”
سكتُّ،
فغرقت عيناي فيه…
هل هذا هو أورفيوس الذي عزف لي حين كنت شظايا؟
لماذا الآن يلوّح لي بإشارات حذر؟
ألا يفرح لأجلي؟
ألا يهنأ بشفائي؟
قلت له، وأنا أضحك بخفة:
“هل تعتقد أنني أتوهّم؟
أن ما وجدته وهمٌ جميل؟
أنها ستتركني؟”
نظر إليّ أخيرًا، وقال:
“بل أؤمن أن الشفاء الحقيقي لا يأتي من الخارج…
وأن كل حبٍّ جديد هو إعادةُ ترتيبٍ مؤقتٍ لدمارك.”
لم أفهم… أو ربما لم أرد أن أفهم.
قلت له:
“أورفيوس… إنها لم تشبه أحدًا.
لم تكن كغيرها.
جاءتني وأنا فارغٌ،
لا أملك إلا بقاياي،
ومع ذلك،
رأتني كلوحة لم تبدأ بعد.
لم تَخَف من حطامي،
بل صنعت منه موسيقاها.”
أجابني وهو يمرّر أصابعه على القيثارة دون أن يعزف:
“وهنا تكمن الخدعة.”
قلت،
مصدومًا:
“أي خدعة؟”
قال:
“حين تُشرق الشمس على كهفٍ مظلم،
يعتقدُ مَن عاش فيه أن الحياة كلّها ضوء.
لكن النور الخارجي لا يعني أن الجدران لم تعد موجودة.
أنت لا ترى أنها تُضيئك لأنك شُفيت…
بل لأنها لا تعرف عمق الجرح.
هي ترى النسخة التي ظهرت حين لمستك،
لكنها لا تعرف ما يسكن خلف الباب المغلق.”
قلت له،
بعناد من يقاتل لأجل آخر نبضة:
“بل تعرف.
هي الوحيدة التي جلست أمامي وأنا أرتعش من ماضٍ لم أروه،
ولم تسأل،
لم تحكم…
بل احتضنت الصمت.”
ابتسم أورفيوس،
ابتسامة من سمع هذه القصة من قبل آلاف المرّات،
وقال:
“وهذا الصمت…
سيأتي يومٌ ويصرخ.”
كنت أريد أن أصرخ فيه:
“لماذا تحبطني؟
لماذا لا تسمح لي أن أحتفل بخلاصٍ طال انتظاره؟”
لكنه استمر،
بصوتٍ هادئ كمن يحكم على معبدٍ بالهدم:
“أنا لا أشكك في حبّها،
ولا في صدقها…
بل فيك.
هل جرّبت أن تبقى معها حين تصمت هي؟
هل جرّبت أن تراها تبكي دون أن تقول السبب؟
هل جرّبت أن تفهم امرأة حين لا تريد أن تُفهم؟
الحب لا يُختبر حين يُشعلنا،
بل حين يُطفئنا…
وكل ما اشتعل بك…
سوف يُمتحن.”
كنت أريد أن أقول له:
“كفى، لقد شفيت!”
لكنه سبقني وقال:
“هل تعرف كم مرة قلتُ لنفسي إنني بخير؟
كم مرة قلت إن الحب أعادني إلى الحياة؟
لكنني لم أكن أعود…
كنت أهرب.
المرأة التي تشفيك…
قد تفتح فيك جرحًا جديدًا حين ترحل.
والتي تعيدك…
قد تُضيّعك أكثر حين لا تجدك كما حلمت.
وحتى التي تبنيك…
قد تهدمك دون قصد حين تتغير.”
صرختُ به:
“لكنها لن ترحل!”
أجاب:
“بل أنت من سيرحل،
دون أن تشعر.
حين يبدأ خوفك من فقدها،
أكثر من حبك لها.
حين تتحوّل لمستها إلى دواء إدمان،
وصوتها إلى مصلٍ يُبقيك حيًا.
حينها…
لن تكون عاشقًا،
بل أسيرًا.”
سكتُّ.
كنت أريد أن أحتفظ بحُلمي،
أن أحميها من كلماته،
أن أقول له:
“هي ليست مثل الأخريات.”
لكنه نظر في عينيّ،
ورأى الحقيقة التي كنت أُخفيها عن نفسي:
كنتُ خائفًا.
خائفًا أن أفقدها،
أن يعود الليل من دون دفئها،
أن تتركني فجأة دون سبب،
أن أُحرم من اللمسة التي أعادتني.
ورأيت ما لم أكن أريد أن أراه…
كنت أعيش على شُعلة منها،
وأخاف أن تنطفئ.
قال أورفيوس،
وكأنه يقرأ روحي:
“حين يصبح الحب طوق نجاة،
فقدنا معناه.
الحب الحقيقي لا يُنقذك،
بل يجعلك حرًّا،
حتى من صاحبه.”
قلت له،
وأنا أرتجف:
“لكنني أحبها…”
أجاب:
“فأحبّها،
لكن لا تسكنها كما يسكن السجين الزنزانة.
دع قلبك يمشي بجانبها،
لا خلفها،
ولا أمامها.
وإن غابت…
لا تُنكر ما أعطتك،
لكن لا تخلط بينك وبينها.
الشفاء…
يأتي من داخلك،
لا من جسدٍ احتضنك.”
سكتُّ طويلًا.
ثم قلت له بصوتٍ مكسور:
“كنت أظن أنني خرجت من المتاهة.”
قال:
“بل دخلت أعمقها…
لكنك تحمل الآن شمعة.”
نظرت إلى البحر…
ذلك البحر الذي لم أتأمله من قبل،
كنت مشغولًا بقلبي،
بوجعي،
بها…
الآن فقط،
فهمت ما كان يقصده.
الحب قد يُنيرك،
لكن النور لا يعني أن الطريق ليس طويلًا.
قلت له وأنا أضع يدي على قلبي:
“إذن… ما الذي علي فعله؟”
أجابني:
“اكتب.
واحب.
واخسر.
وعد من جديد.
لكن لا تنسَ…
أنك أنت…
كل ما تملكه.”
ثم وقف،
رفع قيثارته،
وقال لي:
“غنِّ الآن…
لا لها،
ولا لي،
بل لنفسك.
فإن عادتك من تحب…
فليكن قلبك مستعدًا.
وإن رحلت…
فليكن صوتك آخر ما تسمعه.”
الجزء الثاني: حين تحدّث الحشرة الآلهة
سكن أورفيوس…
كنت أظنه انتهى.
لكن حين يهدأ أورفيوس،
اعلم أن النغمة التالية…
ليست موسيقى،
بل نبوءة.
نظرت إليه،
ثم إلى يديّ المرتجفتين،
وإلى قلبي الذي لم يعد يدقّ،
بل يصرخ بصمت.
قلت له:
“أتعلم ما يُخيفني؟
أن يكون قلبي أعظم من هذا العالم…
ولا مكان له فيه.”
ردّ بصوتٍ مُثقل بالخراب:
“لأن هذا العالم خُلِق للناقصين.
لمن لا يشعرون كثيرًا،
لمن لا يحلم فوق حاجته،
لمن يقبل بالقليل كي لا يُكسر.
قلت، وأنا أضغط على صدري:
“لكنني لست منهم.
أنا…
أحبّ حتى تتفجّر عروقي.
أشتاق حتى أتقيّأ ظلي.
أتنهّد حتى يتفتّت الهواء بداخلي.”
هنا…
ضحك أورفيوس.
ضحكة من يعرف أن ما يقتلنا ليس الحزن،
بل محاولتنا تبريره.
ثم قال:
“إذن أنت… الحشرة.”
صُعقت.
قلت:
“حشرة؟”
أجابني:
“أجل…
من ترى وتفهم وتصرخ في وجه الآلهة،
وهم يضحكون.”
قلت:
“إذن خاطبتني كأنني ندٌّ لك،
ثم أذللتني بكلمة.”
قال وهو يعزف على وترٍ واحد:
“بل شرف لك أن تكون الحشرة في عالم آلهة صمّاء.
الحشرة ترى تفاصيل ما لا يراه الطغاة.
الحشرة تسمع ما لا تلتقطه الموسيقى.
الحشرة تعرف…
أن الحقيقة تُسحق حين تُقال.”
قلت، وأنا أتنفس كأنني أغرق:
“إذن أنا منبوذ…
لأني شعرت كثيرًا؟
أنا مُذنب…
لأني أحببت فوق ما يحتمله المنطق؟”
سمعت صوته…
كأن السماء تكلمت:
“أنت مذنب لأنك من لحمٍ كثير،
وروحٍ أكثر.”
ثم أردف:
“ولهذا… لا مكان لك بين البشر.”
سكتُّ طويلًا.
كنتُ أسمع صفير دمٍ في أذني،
ثم شعرت بطعم الحديد في فمي.
بصقت.
كان دمي… أزرق.
قال أورفيوس، وهو ينظر إلى البقعة على الأرض:
“ها قد بدأت تتقيّأ ما لا يحتمله جسدك…
دربك ليس دربهم،
ودمك…
لا يشبه دم العاديين.”
قلت له:
“إذن لماذا خُلقتُ هكذا؟
لماذا زرعتم فيّ الشوق ولم تُعطوني أرضًا أنبت فيه؟
لماذا أُحبّ امرأة كأنها كون،
لكن الكون يرفضني؟”
هنا…
انشقت الأرض بيننا.
وصعد منها كيان…
لا ضوء فيه،
لا ظلّ له،
ولا اسم يُقال إلا حين يحتدم الصمت.
إنه
مورفيوس
ظهر كما تنبّأ قلبي.
كظلٍ يعبر ظلالًا.
كغيمٍ يتقطّر منه الزمن.
جلس بيني وبين أورفيوس،
وقال دون أن ينظر إليّ:
“أنت تسأل…
لماذا لا تعيش الحب؟
وأنا أقول:
لأنك لم تُخلق لتعيشه…
بل لتبكيه،
ثم تكتبه،
ثم تحرقه…
ثم تحيا على رماده.”
قلت له:
“لكنها عرفتني،
لمستني،
قبّلت سوادي،
بل غسلتني بالماء وهي تبكي كأنني وليدها.”
أجابني بكل برود:
“ولأنها فعلت ذلك…
ستموت بداخلك،
أو ستميتك.”
صرخت فيه:
“أنتم… أنتم من خلق هذا القلب،
لماذا الآن تحاسبونني على قوّته؟
لماذا تعطونني روحًا لا تشبع،
ثم تضعونني في عالمٍ من خبزٍ ويأس؟”
أجابني أورفيوس،
لا كصديق،
بل كإله خذله العابد:
“لأنك نسيت…
أن الحب ليس حياة،
بل امتحان للحياة.”
هنا…
انطفأت شموع السماء،
وأطبق الليل.
سرمديّ،
لا تعرف له فجرًا.
أصبح كل شيء ظلامًا،
إلا صوت أنفاسي الممزقة،
ورجفةٌ في صدري كأنها نشيج طفل في قبره.
قلت لمورفيوس:
“لماذا لا تدعني أعيش؟
أنا لا أريد كتابة الخلود،
أريد النوم في حضنها فقط،
أن أشرب من عنقها حتى أنسى اسمي.”
فقال لي:
“لأنك عرفت الخلود…
لن تعرف الراحة.”
ثم نظر إليّ بعينيه التي تبتلع الوعي،
وقال:
“هل رأيت يومًا نبيًا يهنأ؟
هل عرفت عاشقًا كتب أسطورته وهو سعيد؟
كل من كتبوا،
نزفوا أولًا.”
ثم قال بصوت خافت كأنه صلاة تُقال في جنازة شاعر:
“لن تعيش الحب كما حلمت.
ستعيشه كما كُتب لك:
في الذاكرة،
في حافة الحلم،
في رسالة لم تُرسل،
وفي رائحة قميص نسيته على طرف سرير.”
ثم نهض أورفيوس.
وضع يده على كتفي،
وقال:
“لقد عدت إليّ لأنك أردت أن تهرب…
لا لأنك شُفيت.
وهذا طبيعي…
فنحن لا نُشفى من الحب.
نعتاد وجعه فقط.”
فقلت،
وأنا أنحني للقيثارته:
“علّمني…
كيف أعيش بها دون أن أُفني نفسي؟”
فقال:
“اكتبها.
لا كعاشقة…
بل كإلهة زارتك ثم عادت إلى السماء.
اكتبها كقصيدة لا تُفهم إلا في ليلٍ بلا قمر.
اكتبها…
لتنجو منها.”
وهنا… سكت كل شيء.
نداء الجرح الأخير
سكت أورفيوس…
سكت مورفيوس…
لكن السماء لم تسكت.
فوقنا،
تشقّقت السُحب،
تداعت الأكوان التي لا نراها،
وهمست الريح باسمها…
باسمها فقط.
نظرتُ إليهم…
إلى أورفيوس الذي يظن أنني ما زلت هشًّا،
إلى مورفيوس الذي يقايض أحلامي بالحقيقة،
إلى نفسي القديمة التي تنظر إليّ من أعماق ظلي.
ثم قلتُ لهم بصوتٍ لم يكن صوتي:
“أنتم لا تفهمون…
هي ليست امرأة.
هي نبيّتي.
هي الرسولة التي لَمَست طيني،
وقالت لي: انهض.
هي التي لم تسألني: من كنت؟
بل قالت لي: مَن ستكون بعدي؟
هي التي لم تُشفني…
بل علّمتني كيف أعيش الألم واقفًا،
وكيف أحزن…
دون أن أُكسر.”
أراد مورفيوس أن يردّ…
لكنني سبقتُه.
نظرت إليه وقلت:
“أنت ربّ الأحلام؟
إذن اسمع هذه النبوءة من فم الحشرة:
لن أكون ضوءًا ينطفئ حين تبتعد.
سأكون نارًا تُضيء ما بعدها.
لن أكتبها لتنساني،
بل لأُخلّدها.
لن أحيا لأجلها،
بل سأزرعها في كل سطرٍ يقرأه غريبٌ في عزّ وحدته.”
ثم بصقتُ دمي الأزرق على الأرض،
ورسمتُ منه دائرة،
ووقفت داخلها.
قلت لأورفيوس:
“خذ قيثارتك، واصمت.
لن أغني.
لن أهرب للأغاني بعد اليوم.”
ثم قلت لمورفيوس:
“اصمت أنت أيضًا.
لن أطلب منك حلمًا آخر.
أنا… الحلمُ نفسه.
أنا الحقيقة التي ترفضون الاعتراف بها.”
ارتحل أورفيوس،
كأن الضوء فيه انطفأ فجأة،
كأن صوته اكتشف أنني لم أعد بحاجة له.
وغاب مورفيوس،
ليس كعادته،
بل بانفجارٍ صامت،
كأن الوجود لفظه لأنه لم يعد يحمل لي سرًّا جديدًا.
وبقيت أنا.
أنا…
بنفسي.
بقلبي الذي يشبه ساحة معركة
وجسدي الذي يتنفس كأنه يحتضر.
لكنني…
واقف.
لا أنحني.
لا أطلب خلاصًا.
لا أُصلّي لحبٍ لن يأتِ.
ثم رفعت رأسي للسماء…
وقلت لها:
“أيتها التي عرفتني،
إن رحلتِ…
لا ألومك.
لكنني…
لن أُطفئك داخلي.
سأبقيك لهبًا،
سأجعل صوتك محرّكي،
وغيابك…
محرّض قصائدي.
وسأعيش.
لا سعيدًا…
بل محترقًا…
لكن على طريقتي.”
حتى الحزن،
صار يبكي بصمت.
حتى الورق،
أخذ يتوسّل قلمي أن لا يُكتب من وجعٍ جديد.
لكنني…
رفعت القلم.
وبدأت.
لأن الكتابة…
هي الشيء الوحيد الذي لا يرحل.
حتى إن رحل الجميع.