Posted On يونيو 1, 2025

IV عندما يخلتط اللقاء في الوداع

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> Raven of Darkness , عوالم متداخلة >> IV عندما يخلتط اللقاء في الوداع

.
ترددت، لكن الريح دفعتها، والبرد في عظامها جعلها تقرر: “أحتاج دفئًا… ولو كان دفء السراب.”

دفعت الباب الخشبي للكوخ…
ودخلت.

في الداخل، بدا كل شيءٍ مختلفًا.
النار تشتعل بهدوءٍ في موقدٍ حجري، تبث دفئًا ناعمًا.
أرضيةٌ من خشبٍ داكن، سجادةٌ مطرزةٌ بألوانٍ دافئة، وروائح أعشابٍ مجففةٍ تملأ الجوّ.
كان المكان جميلًا، هادئًا… كأنه بيت أمٍّ لم تعرفها قط.

في قلب الغرفة، وقفت امرأةٌ جميلة.
شعرها أسودٌ ينساب على كتفيها كليلٍ صامت، عيناها خضراوان فيهما بريقٌ لا يشبه بشرًا.
ابتسمت لسيراندا، رفعت يدها وقالت:

“أهلاً بكِ… يا من حملتِ خوفكِ في قلبكِ.”

سيراندا لم تستطع الرد.
دموعها انهمرت، جسدها ارتعش من البرد والتعب.
المرأة اقتربت، عيناها تلمعان بنورٍ هادئ، ويدها باردةٌ لكنها ناعمة.

“اجلسي، يا صغيرتي… دعي النار تعيد لدمكِ بعض الحياة.”

جلست سيراندا قرب الموقد، وارتعشت دموعها فوق وجنتيها.
المرأة مسحت شعرها برفق، همست لها:

“أنا هنا لأحميكِ… أنتِ ضيفةٌ في بيتي، والليل لا يؤذي ضيوفي.”

شعرت سيراندا بشيءٍ يطمئنها… أو ربما خدعةٌ سحريةٌ جميلة.
أغمضت عينيها، وتركت نفسها تنام في حضنٍ لم تعرفه.
المرأة كانت تغني أغنيةً ناعمة، كلماتها لا تشبه أي لغةٍ عرفتها.

لكن في داخلها، شيءٌ همس لها:

“هذا المكان… جميلٌ كالجنة… لكنه قبرٌ ينتظر من يغفو فيه.”

نامت سيراندا في دفء الموقد، أنفاسها تهدأ ببطء، وجسدها الصغير يرتخي كزهرةٍ أرهقها العطش.
شعرت بأنفاسٍ ناعمةٍ تمر فوق جبينها، ويدًا باردةٍ تلامس وجنتها برفق.
كأنها تعود طفلةً… في حضن أمٍّ لم تعرفها أبدًا.
لكن في أعماقها، بقي ظل الغراب الكبير… عيونه السوداء تناديها من بين الأحلام.

في اللحظة التي استسلمت فيها للنوم، سمعت صوتًا رقيقًا يهمس في أذنها:

“نمِ… ودعي الليل يحكي لكِ قصةً لم تكتمل بعد.”

كان صوت الساحرة، ناعمًا كخيوط الحرير، لكنه يخفي قسوةً باردة.
ابتسمت الساحرة، نظرت إلى وجه سيراندا الغافي وقالت في نفسها:

“يا لبراءتكِ.”

خرجت من الغرفة ببطء، وقفت عند نافذةٍ صغيرةٍ تُطل على الغابة.
الليل كان يلف الأشجار كوشاحٍ أسود، لكن الساحرة رأت ما وراء الظلال:
رأت ألسنة النار التي ما زالت تأكل أطراف القلعة، ورأت الغربان التي طارت بعيدًا كغيومٍ سوداء ممزقة.
ابتسمت، وفي عينيها لمعانٌ يشبه لمعان الفولاذ.

“الأمير…”
همست، وابتسمت من جديد.

في صدرها، عرفت أن الأمير إليار ما زال يقاتل.
عرفت أن قلبه الذي حاول أن يجد الخلاص في فتاةٍ غجريةٍ ضعيفة… لن ينجو من مصيرٍ كتبته بيديها منذ زمن.
كانت تريده أن يبقى طائرًا أسود، أسيرًا لريشٍ لا يشيخ، لعنةً لا تنتهي.
لأنه عندما يكون طائرًا… يكون ملكًا لها.
مثل كل الكائنات التي سجنتها، حوّلتها لتخدم سحرها ولعنتها.

عادت الساحرة إلى الغرفة، عيناها تراقبان سيراندا النائمة.
اقتربت منها، همست في أذنها:

“نمِ…….”

وضعت يدها فوق جبين سيراندا، وأغمضت عينيها.
همست بكلماتٍ بلغةٍ قديمة، كلماتٍ لا يعرفها بشرٌ ولا طائر.
في اللحظة التالية، انفتحت ذاكرةٌ خفيةٌ في عقل سيراندا النائم.

رأت حلمًا…
رأت القلعة تحترق، ورأت الغربان تطير في الليل.
رأت الأمير إليار، واقفًا في العتمة، جناحاه يحترقان بنارٍ لا تطفأ.
ورأت الساحرة نفسها، بثوبها الأسود، عيناها مثل ليلٍ لا ينتهي، تقول له:

“أنت ملكي… ستظل ملكي… حتى ينتهي الليل!”

رنّ صوت الساحرة في ظلال الكوخ مثل صفيرٍ باردٍ من الريح السوداء.
كلماتها نسجت حول الغرفة قشعريرةً قاتمة، كأن الجدران نفسها بدأت تصغي وتخشى.
في تلك اللحظة، رفعت الساحرة يدها، وشرارةٌ خضراء خافتةٌ لمعت بين أصابعها.

عينا سيراندا اتسعتا في رعب، وصدرها اختنق بهواءٍ ثقيلٍ كالرصاص.
لكن قبل أن تتمكن من الصراخ أو حتى النهوض، نطقت الساحرة بكلماتٍ غامضة، همست بها مثل أغنيةٍ لعنة.

“توقّفي… كوني حجرًا… كوني صمتًا!”

جسد سيراندا ارتجف، ثم تجمّد.
شعرت بثقلٍ هائلٍ يقيّد أطرافها، روحها نفسها بدت كأنها غُرست في جسدها مثل إبرةٍ في دمية.
عيناها ظلتا مفتوحتين، لكن نظراتها صارت بلون الضباب.
شفتاها حاولتا الحركة… لكن لا صوت خرج.
كانت في داخلها تصرخ، ترفس، تحاول الهروب…
لكنها لم تعد تملك سوى الصمت.

الساحرة نظرت إليها بابتسامةٍ باردة.

“أنتِ لن تتحركي… ستبقين هنا، شاهدةً على ما سأفعله.”

استدارت، شعرها الأسود ينساب كظلٍ طويلٍ يلامس الأرض.
اقتربت من النافذة الصغيرة المطلة على ظلال الغابة، رفعت يدها ومسحت زجاجها الملطخ بالندى.

رأت في البعيد…
رأت القلعة التي احترقت أطرافها، والدخان يتصاعد منها كأفعى من نارٍ وكراهية.
رأت الغربان تطير في دواماتٍ يائسة، تحمي أميرها.
رأت الصيادين، وجوههم المتعبة الملطخة بالسواد، يصرخون بأصواتٍ تحترق بالشهوة للدم والذهب.

في عينيها، اشتعل بريقٌ حادٌّ كالنصل.

“لن أسمح لهم… لا أحد يسرق ما هو لي.”
قالتها بصوتٍ واهن، لكنه كان يملأ الغرفة كلها بقوةٍ لا تُقهر.

شهقت سيراندا داخليًا، لكنها لم تستطع حتى الرمش.
كانت عيناها تتبع الساحرة… عقلها يصرخ، “لا تذهبي! لا تتركيه! الأمير…!”

لكن الساحرة لم تسمع سوى صوت لعناتها الخاصة.
أدارت وجهها نحو سيراندا، رفعت يدها مرةً أخرى.

“نمِ… لن تحلمي هذه المرة. ستبقين عالقةً في ظلالي… حتى أعود.”

ثم همست بتعويذةٍ جديدة، صوتها خافت لكنه اخترق لحم سيراندا كبرقٍ بارد.
شعرت الفتاة أن جسدها صار ثقيلًا أكثر… كأن الظلال نفسها ضغطت صدرها، منعتها من التنفّس بحرية.
عيناها بقيتا مفتوحتين، لكن روحهما صارت معلقةً في سكونٍ لا يحوي لا ألمًا ولا أملًا.

ثم…
رفعت الساحرة ذراعيها، همست بكلمةٍ أخيرة، وصرخت صرخةً تشبه صرخة طائرٍ جريحٍ في قلب الليل.

“أنا الملكة… وهذا الليل لي وحدي!”

في اللحظة التالية، ارتفعت عن الأرض.
قدماها تركتا الخشب البارد، شعرها الأسود تناثر من حولها مثل ستارٍ حي.
أجنحةٌ خفيةٌ من ظلالٍ وأسرارٍ حملتها… ونافذة الكوخ انفتحت فجأةً لريحٍ باردةٍ عاتية.

صرخت سيراندا في داخلها، لكن جسدها ظل ساكنًا.
رأت الساحرة تطير نحو السماء السوداء، عباءتها تتماوج كلهبٍ أسودٍ لا ينطفئ.

خرجت من الكوخ كشهابٍ أسود، عيناها خضراوان تلمعان في ظلمة الليل.
في السماء، اجتمعت الغيوم لتفرش لها طريقًا من عتمةٍ ورهبة.
جناحان من الريح حملتها، وصدى صرختها ظلّ يرنّ في الغابة:

“الأمير لي… لا أحد يلمس ما يخصني!”

اختفت في العتمة، تاركةً وراءها كوخًا صامتًا، وفتاةً غجريةً محبوسةً في جسدٍ لا يطيعها.
في صدر سيراندا، كان قلبها يصرخ صامتًا، عيناها تطاردان آخر لمحةٍ من العباءة السوداء.
ظلت هناك…
ساكنةً، لا تستطيع حتى أن تبكي.
والكوخ كله بدا كأنه انغلق على سرٍّ لا ينتمي إلا للموت

في تلك الليلة، عادت الساحرة إلى كوخها العتيق، يلفّها صمت الغابة وصرير الفروع المكسورة تحت قدميها.
شعرها الأسود كان ينسدل على كتفيها مثل شلالٍ من ظلالٍ لزجة، وعيناها الخضراوان كانتا تلمعان كزمردتين من سمٍّ قاتل.
كانت خطواتها هادئةً، لكن في قلبها اشتعل بركانٌ من الغضب.
رائحة الرماد الذي خلّفه الصيادون ما زالت تملأ صدرها، ومعها رائحة لعنتها التي أُعيدت من جديد على الأمير الأسير.

دفعت باب الكوخ بيدٍ باردة، توقعّت أن تجد الغجرية ساكنةً حيث تركتها: صامتة، عيناها معلّقتان في الفراغ، تعيش في سكون تعويذتها الأبدي.
لكنها حين دخلت، وجدت المقعد فارغًا.
النار في الموقد ما زالت تشتعل، ترسم ظلالًا دافئةً على الجدران… لكن لا أثر للغجرية.

عبست الساحرة، عيناها تضيئان بغضبٍ مكتوم.
سارت ببطء إلى منتصف الغرفة، حيث تركت الفتاة في نومٍ متحجّر.
مرّت أصابعها على ظهر المقعد الخشبي، وكأنها تفتّش عن أثرٍ لوجودها.

“هذا مستحيل…”
همست بصوتٍ منخفض، كأنها تخاطب الليل نفسه.

في تلك اللحظة، لامست أصابعها شيئًا على المقعد…
خيطًا ناعمًا من الحرير الأسود، يتدلّى منه تعويذة صغيرة، على شكل حجرٍ رماديٍّ بارد.

كانت سلسلةً منقوشةً بنقوشٍ غجريةٍ قديمة، تعرفها الساحرة جيّدًا.
رغم سحرها، رغم لعناتها التي لا تُهزم، عرفت الساحرة أن هذه التعويذة… لم تكن من صنعها.

رفعت السلسلة أمام عينيها، تمعّنت في النقش: رموزٌ خفيةٌ لا يراها إلا من عاش في ظلال الغجر.
وشعرت بنبضةٍ خافتةٍ في الحجر الرمادي، نبضةً دافئةً كقلبٍ صغيرٍ ينادي في الليل.

“تعويذة حماية…”
قالتها بصوتٍ واهن، والحقد يتسلّل إلى عينيها.

الذكريات ارتفعت في عقلها كدخانٍ أسود:
تذكرت أم الفتاة… الغجرية التي مرّت في شبابها من هنا، التي همست لها بكلماتٍ لم تنسها الساحرة أبدًا:

“سأترك لها شيئًا… شيئًا ينقذها من لعنتكِ إن حاولتِ مسها.”

ضحكت الساحرة ضحكةً قصيرةً، لكنها كانت مليئةً بالسمّ.

“حيلةٌ تافهة… لكنّها نجحت.”


في تلك اللحظة…
على أطراف الغابة، حيث التقت أشعة القمر بظلال الأشجار، كانت سيراندا تركض.
قدماها العاريتان تدوسان أوراقًا مبللةً بالندى، وصدرها يعلو ويهبط كطائرٍ يهرب من قفصه.

عندما غادرت الساحرة، بقيت محبوسةً في جسدها… سجينةً في سكونٍ مظلمٍ لا ينتهي.
لكن في قلبها، وفي صدرها، كان الحجر الرمادي الصغير يلامس جلدها.
سلسلتها التي ورثتها عن أمها… التي لم تعرف أبدًا ما تحمله من أسرار.

في اللحظة التي تجمّد فيها العالم، حين أحكمت لعنة الساحرة قضبانها حولها…
أضاء الحجر الرمادي دفئًا خافتًا، كأنفاس أمٍّ توقظ ابنتها من كابوس.
شعرت بحرارةٍ غريبةٍ تتسلّل إلى عروقها، تكسر صمت اللعنة، تدفع عنها ثقل الظلال.

ببطء…
عادت أنفاسها، وعاد قلبها ينبض، كسرت سكون الحجر الذي سجنتها فيه الساحرة.
أغمضت عينيها، فشعرت بدمعةٍ ساخنةٍ تخرج من عينيها لأول مرة منذ ساعاتٍ طويلة.

“أنا هنا…”
همست، وفتحت عينيها لتجد الكوخ خاليًا، والنار تودّع رمادها الأخير.

Related Post

II الطريق إلى القلعة

بدأت سيراندا تمشي خلف الغراب المرشد، خطواتها بطيئة لكنها تحمل في طياتها وعدًا غامضًا بالنجاة.كانت…

حين بكى أورفيوس

https://youtu.be/F0i7v2U-zy8?si=MCJeoZ_jl1m_H90i أغنية أورفيوس… حين بكى لأجلي لم يكن أحدٌ يسمع شيئًا في تلك اللحظة. كل…

الجزء الثالث – النهاية التي لا تنتهي

شغلني قبل أن تقرئنا 🎵 أحيانًا أسأل نفسي: لماذا لم أعد أرى العالم كما كان؟…