Posted On يونيو 1, 2025

Raven Of Darkness

Qasim Aldayel 0 comments

كانت الريح تنسلّ بين أغصان الأشجار كهمسٍ غامض، حاملة معها رائحة الأرض النديّة التي أُشبعت بمياه النهر القريب.
أوراق الدراق العتيقة تهتزّ ببطء، تصنع سيمفونية صامتة تُلهم الهدوء في القلوب المنهكة.
في هذا الركن الساكن من الغابة، حيث لا تسمع إلا زقزقة طائر خائف أو خرير مياه متردّد، كانت شجرة الدراق الضخمة واقفة، كشاهدةٍ على أسرار آلاف الليالي.

جذورها خرجت من الأرض كأصابع عملاقة، غاصت في الطين وامتدت عروقها نحو جدولٍ رقراقٍ مجاور، وكأنها تريد أن ترتوي إلى الأبد من عطره البارد.
عروقٌ تحكي حكاية الزمن الذي لا يرحم، وتجاعيدُ في لحاءها البنيّ تنبض بروحٍ من الماضي البعيد.

عند جذع هذه الشجرة، اتكأت سيراندا، الفتاة الغجرية الهاربة من قدرها.
وجهها الجميل الذي لوّحته الشمس في أسفارها، بدا شاحبًا الآن كضوء قمرٍ مكسور.
شعرها الأسود، المتموّج مثل شلالٍ صامت، تناثر على كتفيها المتهالكين كستارٍ يحميها من نظرات الليل.
عيناها المائلتان بين الأخضر والأزرق، كانتا مغلقتين في تلك اللحظة، تخفيان خلفهما أحلامًا مبعثرة ودموعًا جافة.

لم تكن تعرف كم ركضت قبل أن تصل إلى هنا.
قدماها كانتا تئنّان من الألم، وذراعاها ملتويتان من حمل سلتها الصغيرة التي تحوي بقايا أحلامٍ مسحوقة.
كانت تبيع الحرف اليدوية للناس: عقود من الخرز الملون، أساور من خيوط الغجر القديمة، دمى قماشية تضحك بألوانها الزاهية.
لكن كل شيء صار عبثًا حين اتهموها ظلمًا بسرقة ما لم تعرفه يومًا.

أتت إلى هذه الغابة مثل ورقةٍ في مهبّ الريح، هاربة من عيون المدينة التي طاردتها كالذئاب.
كانت تشعر بثقل الظلم كحجرٍ في صدرها، والخوف ينهش أطراف روحها بلا رحمة.

مدّت يدها النحيلة تتحسّس ثمار الدراق المتساقطة حولها.
ثمارٌ ممتلئة بعصيرٍ حلو، نضجت في صمتٍ بعيد عن قسوة البشر.
رفعت ثمرة إلى شفتيها الجافتين، قضمت منها قضمة صغيرة.
العصير البارد انساب في حلقها كأغنيةِ عزاءٍ قصيرة.
طعمه أعاد لها ذكرى أمّها التي كانت تقول:

“في قلب كل ثمرة، تختبئ أغنيةُ الأرض.”

أغمضت عينيها، وسمحت لنفسها أن تنسى لوهلةٍ كل ما كان.
المدينة، الرجال الذين صرخوا في وجهها، نظرات الاتهام، صدى ضربات قلبها الهارب…
كلها ذابت في طعم الخوخ الحلو، وفي ظلال الشجرة التي بدت كأمٍّ عجوز تحضن طفلتها التائهة.

لكن حتى في هذا السكون، كان هناك شيءٌ غريب يختبئ خلف الهدوء.
شيءٌ يراقبها، يختبرها…
كان الهواء يزداد برودة، وكأن الليل نفسه قرر أن يستمع إلى صمتها.

ثم جاء الصوت.
في البداية كان خافتًا، أشبه بنبضةٍ في قلب الأرض.
ثم تكرّر، صار نقرًا خفيفًا، إيقاعًا خفيًا لا ينتمي لهذا العالم.
رفعت سيراندا رأسها ببطء، وعيناها نصف مغلقتين من التعب.

كان هناك، يقف على صخرةٍ رمادية، طائرٌ أسود.
غرابٌ ضخم، لكن مظهره لم يكن كمظهر الغربان التي اعتادتها في أسواق المدينة.
ريشه أسود قاتم كالليل، لكن عند رأسه ورقبته… هناك سحرٌ غريب.

تدرّجت نهايات الريش من سوادٍ حالكٍ إلى فضيّ لامعٍ كأنه ضوء قمرٍ حزين.
الفضي كان يلمع بخفةٍ كلما تحرّك رأسه، يصنع هالةً ضبابية حوله، وكأنه طيفٌ خرج من الأساطير.
عينا الغراب كانتا سوداوتين عميقتين، لا تشعّ منهما وحشية، بل حكمةٌ قديمة لم تعرفها الكلمات.

ظل يراقبها في صمت، كأن بينهما لغةٌ لا تُقال.
رأت في نظراته شيئًا غريبًا… كأنه يرى قلبها لا وجهها.
كأنه يسمع صرخة الظلم التي خبأتها في صدرها، ويفهمها.

لم تعرف لماذا، لكن قلبها ارتعش.
الخوف لم يكن حاضرًا. كان هناك شيء آخر…
حضورٌ غامض، دفءٌ صامت.

مدّ الغراب رأسه قليلًا نحوها، ثم مالت ريشةٌ فضيةٌ على رقبته، تعانق ضوء المغيب في تلك اللحظة.
رأت في تلك اللمحة شارةً… علامةً خفيةً لا يدركها إلا قلبها.

لم ينبس الغراب بحرف، لكن جسده كلّه قال لها:

“اتبعيني…”

ترددت سيراندا.
حدّقت فيه، تتساءل: أهو حلم؟ أم أن الغابة قررت أن تمنحها صديقًا أخيرًا؟
تذكرت الحكايات التي كانت تسمعها عند نيران الغجر:

“في قلب الغابة أرواحٌ ترشدك حين تضلّ الطريق…”

وكأن روح الغابة اختارت هذا الغراب ليكون رسولها.
رأت جناحيه القويين يفتحان ببطء، ورفرفةً خفيفة هزّت الأغصان فوقها.
ثم استدار الغراب ببطء، خطا خطوةً صغيرةً على الصخرة، قبل أن يطير بهدوء نحو عمق الغابة.

سيراندا ظلت جالسة، أصابعها متشبثةٌ بالأرض.
في صدرها، صراعٌ بين خوفٍ قديمٍ وفضولٍ لم تختبره من قبل.
ظلت عيناها معلّقتين بريش الغراب الفضيّ، الذي بدا كنجمةٍ في ليلٍ بلا قمر.

سمعت في داخلها صوتًا خافتًا، لا يشبه صوت عقلها:

“إن لم تتبعيه… ستندمين.”

شدّت وشاحها الملوّن حول كتفيها، ودفنت فيه أنفاسها المرتجفة.
وقفت ببطء، ساقاها ترتجفان من التعب والجوع.
لكنها خطت خطوةً أولى، وكأنها تهزم العالم الذي طاردها.
خطوةً واحدة نحو مصيرٍ لا تعرفه… لكن قلبها أخبرها أنه حقيقي.

وهكذا…
بدأت رحلتها:
رحلة في الغابة التي لم ترحم أحدًا، وقلعةٍ يكسوها الضباب، وقلبٍ أسود ضخمٍ ينتظرها خلف ستار الريش الفضي.

Related Post

IV عندما يخلتط اللقاء في الوداع

.ترددت، لكن الريح دفعتها، والبرد في عظامها جعلها تقرر: “أحتاج دفئًا… ولو كان دفء السراب.”…

حين بكى أورفيوس

https://youtu.be/F0i7v2U-zy8?si=MCJeoZ_jl1m_H90i أغنية أورفيوس… حين بكى لأجلي لم يكن أحدٌ يسمع شيئًا في تلك اللحظة. كل…

العنقاء الذي اختار أن لا يحترق

https://youtu.be/1e9B31FLT-s?si=UVL1J4zSTQ0jA7vp لم أكن رجلًا من لحمٍ وعظمٍ فقط… كنتُ شيئًا آخر. كائنٌ تجاوزته الحكايات وخافت…