Posted On مايو 28, 2025

الجزء الثاني – حين صار الجرح وطنًا

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> عوالم متداخلة >> الجزء الثاني – حين صار الجرح وطنًا

في الليالي الباردة، كنتُ أشعل نارًا صغيرةً من الحطب الذي جمعته بنفسي. لم يكن في النار سوى دفءٍ بسيطٍ، لكنها كانت كافيةً لأمنح قلبي فرصةَ الاتكاء على صدى الذكريات. سمعتُ الذئب يعوي بعيدًا، فدعوتُه إليّ. جاءني بخطى حذرةٍ، كأنه يخشى أن يرى في عيني خيانةً أخرى. لكنني أخبرته – دون كلمات – أنني صادقٌ في وحدتي. جلس قريبًا من النار، وضع رأسه على ساقي، ورحنا نُصغي معًا لصوت الليل.

كان هناك شيءٌ من الحنين في صمتنا. شيءٌ لم أعد أحتمله بين البشر: تلك الرغبة في أن تكون صادقًا دون خوفٍ، أن تقول “أنا موجوع” دون أن يُحاكَم وجعك في محاكم قسوتهم. هنا، بيني وبين الذئب، صار البكاء طقسًا نبيلًا، وصار الصمت لغةً كريمةً لا يُفسدها صخب التبرير.

كلما أشرقت شمسٌ جديدة، خرجتُ من كهفي أبحث عن حياةٍ لم أذقها معهم. أراقب الفراشات تتمايل فوق الندى، أضحك عندما يُداعب العصفور شعر الريح. دعوت الدعسوقة لتسكن راحة يدي، جعلتها تمشي فوق خطوط كفي، أقرأ لها قصائد الصبر التي كتبتها دموعي. صارت صديقتي، تتفتح أجنحتها كلما اقتربتُ منها، وكأنها تعلم أن في قلبي وطنًا لا يُغلق بابه أبدًا.

كان قلبي ينزف، نعم. لكني تعلّمت أن أنزف في صمت، أن أجعل من دمي زينةً في حدائق الوحدة. عرفتُ أن البشر حين يضحكون، يضحكون من قلوبٍ مثقوبةٍ بسهام الأنانية. لكني هنا، أضحك بصدقٍ، حتى لو لم يسمعني أحد.

Related Post

IV عندما يخلتط اللقاء في الوداع

.ترددت، لكن الريح دفعتها، والبرد في عظامها جعلها تقرر: “أحتاج دفئًا… ولو كان دفء السراب.”…

الجزء الثالث – النهاية التي لا تنتهي

شغلني قبل أن تقرئنا 🎵 أحيانًا أسأل نفسي: لماذا لم أعد أرى العالم كما كان؟…

جرح الزمان

في ليالٍ لا يطرقها الضوء، تعرّت روحي من كل ما يربطها بالوطن، لا ذكريات سوى…