Posted On يونيو 1, 2025

II الطريق إلى القلعة

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> Raven of Darkness , عوالم متداخلة >> II الطريق إلى القلعة

بدأت سيراندا تمشي خلف الغراب المرشد، خطواتها بطيئة لكنها تحمل في طياتها وعدًا غامضًا بالنجاة.
كانت الغابة أمامها مثل كائنٍ حيّ، يتنفّس من بين الأوراق العالية، يهمس بأصواتٍ لا تُقال.
أصابع قدميها لامست الطين البارد، وأحست أن كل ذرةٍ من تراب الأرض تتآمر معها أو ضدها… لكنها لم تهتم.
كانت تتبع ريش الغراب الفضيّ كمن يتبع نورًا لا يرى إلا في الأحلام.

الغابة هنا كانت مختلفة…
الأشجار أطول، جذوعها ملتوية كحكاياتٍ لم تنتهِ بعد.
الهواء محمّلٌ بعطرٍ غريب: مزيجٌ من رائحة زهورٍ ذابلة، ورائحة مياهٍ راكدةٍ في بركٍ مخفية.
في زوايا الظلال، كان هناك ضوءٌ خافتٌ يتسلّل مثل خيوطٍ من ذهبٍ ضائع، يلوّن الضباب بلونٍ نحاسيّ غامض.

كانت تسمع خرير الماء على يمينها، ووقع خطوات الغراب أمامها، نقراته الرقيقة على الأحجار.
في كل خطوة، بدا كأنه يعرف الطريق منذ الأزل.
كلما رفعت عينيها، رأت النهاية الفضية لريشه تلمع كوميض برقٍ صامت.
في تلك اللحظة، كانت تشعر وكأن الغراب لم يكن يقودها نحو قلعةٍ فقط… بل نحو قلبها هي نفسها.

مرت بأشجار سنديان ضخمة، كانت أغصانها معقودةً كالأيدي المرفوعة في صلاةٍ صامتة.
لحاءها البنيّ يقطر مطرًا شفيفًا، وكأنها تبكي على كل الذين هربوا مثلها.
بينما تعبر، كانت تحسّ بثقل التاريخ في كل شجرة، كل جذعٍ يحكي حكاية حبٍ مات قبل أن يولد.

في تلك اللحظة، تذكّرت والدتها:
امرأةٌ غجريةٌ قوية، علمتها أن الغابة بيتٌ ثانٍ، وأن الأشجار أصدقاءٌ لمن يعرف كيف يصغي.
“في قلب كل شجرة، يا سيراندا، هناك قلبٌ ينبض… إن أصغيتِ له، سيرشدكِ.”
كانت كلمات أمها تتردّد في أذنيها مع كل نسمة هواء، وكأن الغابة تردّد صداها.

واصلت السير، وحذاؤها الغجريّ الممزّق غاص في الطين مراتٍ ومرات.
لكنها لم تتراجع…
كانت عينها على الغراب، تلمعان في الظلال كشمعتين لا تنطفئان.
في لحظةٍ ما، توقّف الغراب فجأة.
نظر إليها، وعيناه السوداوان تلمعان بنورٍ خفي.
ثم انحنى برأسه، وكأنما يقول لها:

“اقتربي… شاهدي ما لم ترَه عينٌ بشرية.”

سارت بخطواتٍ مترددةٍ حتى وقفت إلى جانبه.
ورأت ما كان يخفيه الغراب الفضي.

كان هناك ممرٌ ضيّقٌ من أشجار الصفصاف، متشابك الأغصان، يكوّن قوسًا طبيعيًا كمدخلٍ لعرينٍ سحري.
من بين الأغصان، تسلّل ضوءٌ شاحبٌ فضيّ اللون، أعطى المكان هيبةً خرافية.
سيراندا رفعت يدها تتحسّس أوراق الصفصاف الطويلة، كانت باردةً مثل قبلات المطر، تلامس وجنتيها برفقٍ غير متوقع.

تقدّم الغراب إلى الأمام، فتبعته ببطء.
دخلت في النفق النباتي، وكل نفسٍ تسحبه رئتاها كان مشبعًا بروائحٍ رطبةٍ وسحرٍ خفيّ.
أصوات الطيور خفتت، وكأن الغابة كلها حبست أنفاسها.

في قلب الممر، كان هناك جدولٌ صغير، ماءه صافٍ يعكس ظلال الأشجار مثل مرآةٍ مكسورة.
وقفت سيراندا لحظةً، رأت في سطح الماء صورة وجهها الشاحب:
عيناها واسعتان، فيهما بريق خوفٍ وفضول، شفتاها المتشققتان ترتعشان مع كل نفس.
ورأت أيضًا صورة الغراب خلفها، ريشه الأسود الفضي يلمع كدرعٍ من ظلال الليل.

في تلك اللحظة، فهمت شيئًا:

“هذا الغراب… ليس مجرد طائر. إنه رسولٌ من القدر، جاء ليخرجني من ظلم البشر إلى ظلمٍ آخر… قد يكون أجمل.”

ابتسمت سيراندا ابتسامةً حزينة، لم يعرفها وجهها منذ زمن.
ثم واصلت السير، والغراب يطير أمامها بخطواتٍ قصيرةٍ رشيقة.

خرجت من ممر الصفصاف، لتجد نفسها في ساحةٍ واسعةٍ من الحجارة القديمة.
الحجارة كانت مرصوفةً في دوائرٍ غريبة، محفورٌ عليها رموزٌ لا تعرفها:
دوامات، عيون، أجنحة طيور…
كأنها خريطةٌ رسمها مجنونٌ ذات ليلٍ عاصف.

رفعت رأسها، فرأت أخيرًا…
في البعيد، وسط الضباب الأزرق، تقف قلعةٌ عظيمة.
أبراجها تمتد نحو السماء مثل أصابع حجريةٍ تصلي للغيوم.
نوافذها السوداء مفتوحةٌ كأفواهٍ تبتلع الضوء.
كانت القلعة مزيجًا من الجمال والرعب، كأنها بنيت من أحلام الموتى.

شعرت سيراندا بقلبها يخفق، كل دقةٍ فيه كطبلةٍ في صدرها.
الغربة في المكان كانت كثيفةً، لكنها لم تكن وحدها.
الغراب المرشد وقف على حجرٍ عالٍ، التفت إليها.
في تلك اللحظة، بدا ريشه الفضي وكأنه وهجٌ من شمسٍ ميتة.

“هذه هي القلعة…”
لم تسمع كلمات، لكنها شعرت بها في صدرها.

لم تعد تعرف أين ينتهي الواقع، وأين يبدأ الحلم.
لكنها عرفت شيئًا واحدًا:

“إنها هنا… في هذا المكان، ستكتشف ما لم تعرفه عن قلبها.”

تنفّست بعمق، وتقدّمت خطوةً أولى نحو باب القلعة الحجري.
في تلك الخطوة، شعرت أن كل شيءٍ في حياتها السابقة صار رمادًا…
وأنها الآن على أعتاب قصةٍ جديدة، كتبتها يدُ القدر والريش الفضيّ.

Related Post

العنقاء الذي اختار أن لا يحترق

https://youtu.be/1e9B31FLT-s?si=UVL1J4zSTQ0jA7vp لم أكن رجلًا من لحمٍ وعظمٍ فقط… كنتُ شيئًا آخر. كائنٌ تجاوزته الحكايات وخافت…

جرح الزمان

في ليالٍ لا يطرقها الضوء، تعرّت روحي من كل ما يربطها بالوطن، لا ذكريات سوى…

V تهشم الليل

الآن…كانت تركض، تترك وراءها الكوخ الذي كان قبرًا.الغابة أمامها امتدّت كأملٍ بعيدٍ، والريح تعصف بشعرها…