
دفعت سيراندا الباب الحجري الضخم بيديها المرتعشتين، فصدر عنه صرير طويل، كأنه تنهد من صدر القلعة العتيقة.
رائحة البخور الداكن ملأت أنفها، امتزجت برائحة الحجارة الرطبة التي شربت دموع الليل لألف عام.
دخلت، والظلال ترقص حولها، تنسج قصائد صامتة على جدرانٍ من حجرٍ بارد.
كانت القاعة فسيحة، أكبر من أي قاعة رأت في أسواق مدينتها.
أعمدة شاهقة ترتفع كجنود صامتين، تعانق السقف المقبب الذي تلوّن بظلال لهب الشموع السوداء.
مئات الشموع كانت موزعةً في زوايا القاعة، تشتعل بلهبٍ ثابت، يشبه نجوم الليل في سماءٍ مغلقة.
الغربان كانت هناك…
اصطفت على العوارض الخشبية، عيونها تلمع في الضوء الخافت، صامتةٌ كأسرارٍ قديمة.
بعضها طار ببطءٍ في دوائر هادئة، جناحيه يلامسان السقف برشاقةٍ كأنها رقصة صامتة.
كانت هناك هيبةٌ في هذا الصمت، كأن الغرفة كلها تتنفس إيقاعًا واحدًا لا يُسمع.
في وسط القاعة، كان يقف…
غرابٌ ضخم، أكبر من كل من حوله.
ريشه أسود كالليل الذي لا ينتهي، وعيناه تلمعان بلون الليل المقمري.
وقف شامخًا، رأسه مائل قليلًا إلى الجانب، كمن يتأمل لوحةً خفية.
كان هو… الأمير إليار، الغراب الذي حمل في ريشه سرّها وسرّه.
شعرت سيراندا بقلبها يطرق صدرها.
لم تعرف لماذا، لكن نظراته اخترقتها، أضاءت فيها شيئًا لم تعرفه من قبل.
كأنها تعرفه منذ زمنٍ غابر… كأن روحه تعرف روحها.
اقترب منها ببطء، جناحاه الضخمان يلامسان الهواء في إيقاعٍ صامت.
كل غرابٍ في القاعة انحنى قليلًا، كأنهم يباركون لحظة اللقاء.
وفي صوته… كان هناك صدى الليل والريح:
“أعدّوا الموائد… ولتقرع الطبول… لدينا ضيف.”
رنّ صوته في قلب القاعة كجرسٍ قديم.
الغربان بدأت تتحرك، أجنحتها ترفرف في صمتٍ مهيب.
على الطاولات الحجرية التي اصطفت مثل صفوف قمرية، وُضعت ثمار الغابة:
توت بري، خوخ ناضج، وتفاحٌ أحمرٌ يلمع كالدم.
كؤوسٌ من حجرٍ رمادي، تُملأ بعصيرٍ أحمر داكن، عابق برائحةٍ خمريةٍ لم تعرفها من قبل.
كل شيء كان يتحرك:
الصحون، الكؤوس، الملاعق… حتى الشموع!
لم يكن هناك يدٌ بشرية، بل كانت الأشياء ترقص وتخدم وليمةً خفية، كأن القلعة كلها تحيا بقلبٍ واحد.
سيراندا وقفت في مكانها، لا تصدق ما تراه.
شعرت كأنها في حلمٍ سحري، أو مسرحيةٍ لا تموت.
ابتسمت، رغم الخوف.
لأول مرة منذ زمن، شعرت أن هناك جمالًا وسط الرعب… جمالًا صنعه شيءٌ أعمق من السحر.
تقدّم الغراب الكبير إليها، وقف على بعد خطوةٍ منها.
في عينيه بريقٌ غريب… حزنٌ قديمٌ يشبه حزنها.
مدّ جناحه قليلًا، كأنما يدعوها لتكون جزءًا من هذا العالم الغريب.
“مرحبًا بكِ… يا من تحملين الحزن في عينيكِ، والحرية في قلبكِ.”
لم ينطق بكلمةٍ مفهومة، لكن صوته وصل إلى صدرها كأنفاسٍ دافئة.
رعشةٌ خفيفة سرت في جسدها، لكنها لم تتراجع.
كأن قلبها أدرك:
“هذا الغراب… ليس عدوًا. هو أيضًا مكسورٌ مثلي.”
جلست سيراندا على مقعدٍ حجري، صلبٍ بارد، لكنه بدا كعرشٍ في قاعة أسطورية.
أمامها، بدأت الأطباق تُملأ، الفواكه تُقطّع في صمت، الشراب يُسكب ببطء.
الغربان كانت تحلق ببطءٍ، أجنحتها تصنع ظلالًا راقصةً على مائدةٍ من الحجر.
كانت تدرك أن هذا ليس وليمةً عادية…
بل احتفالٌ بأسرارٍ لم تعرفها، بقدرٍ كتبته يدٌ لا تُرى.
في تلك اللحظة، لم يكن لديها شيءٌ تخسره.
مدّت يدها، تناولت حبة توتٍ بريّ، قضمتها ببطء.
طعمها كان حلوًا، لكنه حمل في داخله مرارةً لا تُنسى.
رفعت عينيها إلى الغراب الضخم.
في عينيه، رأت ذكرياتٍ مشوشة: صورٌ من طفولةٍ بعيدة، قلاعٌ سقطت في ليلٍ مظلم، نساءٌ تبكي…
ورأت أيضًا وهجًا أخضر خافتًا، كأنه بذرةُ حبٍّ لم تولد بعد.
في تلك اللحظة، تذكّرت صوت أمها الغجريّة:
“في العيون التي لا تنطق… تعيش الحقيقة كلها.”
ولأول مرة، شعرت سيراندا أن هذه العيون… عيون الغراب الأمير… لم تخبرها بكل شيء بعد.
رفعت سيراندا عينيها، تائهةً في عيون الغراب الكبير.
في سواد عينيه، رأت خيالاتٍ تلمع مثل ومضات برقٍ خافت.
رأت صورة المرأة الغجرية التي تناديه باسمٍ لم يعد يعرفه، ورأت في أطراف عينيه دمعةً لم تُولد بعد.
لكن قبل أن تفهم ما يحدث، قبل أن تتمكن من لمس تلك الذكريات التي سبحت في عينيه، صدر صوتٌ خافتٌ في القاعة.
كان صوت حركةٍ خفية، مثل رفّة جناحٍ في ليلٍ ساكن.
التفتت سيراندا ببطء، عيناها تبحثان في الظلال.
الغربان التي كانت تحلق ببطءٍ حول الموائد بدت مضطربة، أجنحتها تتحرّك في صمتٍ حذر.
لكن لا شيء بدا واضحًا… إلا الصمت.
صمتٌ ثقيلٌ يسبق العاصفة.
في تلك اللحظة، تذكرت سيراندا أنها ما زالت جالسةً على السفرة الحجرية.
الطعام أمامها: ثمارٌ حمراء تشبه الدم، وأكوابٌ من حجرٍ رماديٍّ ممتلئةٌ بشرابٍ غامض.
رائحة الخشب المحترق من الشموع السوداء اختلطت برائحةٍ جديدة… رائحة الرماد.
شعرت بها تحرق أنفها، تخترق صدرها كأنها نبوءة.
“هذا ليس عبير البخور… هذه رائحة الموت.”
رفعت عينيها فجأة، وقبل أن تفكر، دوّى صوتٌ مخيف!
صوت زجاجٍ يتحطّم وصدى سهمٍ مشتعلٍ يصرخ في الهواء.
من أعلى شبابيك القلعة، دخلت سهامٌ طويلةٌ تشتعل نارًا حمراء، تصفر في الظلال مثل شياطينٍ تطير.
، الغربان التي كانت ساكنةً ارتفعت بجناحيها، صفير أجنحتها يدوي .
الغرفة التي كانت مملكة صمتٍ مظلمٍ صارت الآن عاصفةَ نارٍ ورعب.
صرخت سيراندا، قلبها يضرب صدرها كطبول الحرب.
رأت الغراب الكبير – الأمير إليار – يصرخ صرخةً لم تسمع مثلها من قبل.
كانت صرخةً من ألف ليلٍ مظلم… من قلبٍ خُلع من صدره.
وفي اللحظة التالية، طار في الهواء، جناحاه يلمعان كحاجزٍ من ظلالٍ وقوة.
الغربان الأخرى تبعته، جناحٌ وراء جناح، مثل جيشٍ من الليل يحمي قائده.
“إليار!”
نادت سيراندا، لكن صوتها ضاع بين أصداء الصراخ والنار.
رأت الصيادين يقتربون من النوافذ.
رجالٌ بوجوهٍ قاسية، عيونهم تلمع بالطمع.
أيديهم تقبض على الأقواس، والسهام تشتعل في قبضاتهم.
ضحكاتهم كانت مثل ضحك ذئابٍ رأت دم الغزالة.
“الغراب هنا! الأمير الأسود! لو صدناه… المكافأة لنا وحدنا!”
كانت سيراندا عاجزة.
جسدها ارتجف، قدماها التصقتا بالأرض الحجرية.
الغربان طارت في دوامةٍ سوداء، أصواتها تصرخ مثل جوقةٍ حزينة.
لكنها… ظلت واقفةً، عيناها معلّقةٌ بالنار التي تقترب.
ثم… حدث ما لم تتوقّعه.
في اللحظة التي ظنت فيها أن السهام ستحرقها، طار غرابٌ أصغر، ريشه الأسود يلمع بوميضٍ فضيٍّ عند أطراف رأسه.
كان هو… الغراب المرشد.
حلّق حولها كدائرةٍ من حنانٍ وحماية، ثم هبط فجأةً على كتفها.
شعرت برجليه السوداوين تضغطان برفق، كأنهما تقولان:
“انهضي… اهربي!”
رأسه مال قليلًا، جناحه ارتعش خفيفًا في أذنها، كأنه يرسم لها الطريق الذي لا تراه.
سيراندا استدارت ببطء، والدموع تختلط على وجنتيها بالعرق والرماد.
ورأت: بابًا صغيرًا عند طرف القاعة، نصف مفتوح، خلفه ظلالٌ لا تنتهي.
لكنها… ظلت واقفة.
عقلها كان يصرخ: “اركضي!”
وقلبها يصرخ: “لا تتركيه!”
الغربان طارت لتصنع سدًا بين الصيادين والأمير.
جناحان أسودان يحميان العرش الحجري… لكن النار كانت كثيرة، والسهام كانت لا ترحم.
سمعت ضحكات الصيادين تقترب، خطواتهم تدوس الأرض بحقدٍ كخطوات الموت نفسه.
“اقتلوا الغربان… و احرقوا المكان … حتى يخرج غنيمتنا …. ولاكن انتبهوا فالجائزه وهو حي !”
كانت أصواتهم ترتفع في جنون، لكن عيونهم لم ترَ إلا سواد الأجنحة التي تعمي السماء.
القلعة كانت تغص بأجنحة الغربان المرفرفة، وكل سهمٍ مشتعلٍ شق الظلال لم يصب غير ريشٍ أسودٍ يحترق.
“أشعلوا النار!”
صرخ واحدٌ منهم، صوته غليظٌ كصدى حطبٍ يُكسر.
لم يكن يعرفون عن الفتاة… كل ما عرفوه أن الأمير الغراب يختبئ هنا، وأن الذهب والمجد ينتظران من يصيده.
كانت سيراندا تجلس ساكنةً في ركنٍ مظلمٍ من القاعة.
أنفاسها تتلاحق، وعيناها تراقبان الرعب في صمتٍ مذعور.
كل جسدها يريد أن يصرخ، لكن صوتها مات في حلقها.
الغربان صارت عاصفةً من السواد والنار… جناحان يحترقان، وأصوات صرخاتٍ لا تشبه صرخات طيورٍ بل صرخات أرواحٍ مقيدة.
في تلك اللحظة، مال الغراب المرشد على كتفها، ريشه يلامس عنقها برفقٍ كأنفاسٍ مطمئنة.
عيناها التقتا بعينيه السوداوين، وفيهما رسالةٌ صامتة: “اهربي!”
لم تفكر.
قامت، جسدها يصرخ من شدة الخوف، لكنها مشت بخطواتٍ بطيئةٍ أولاً.
قدماها لا تطيعانها، دموعها تغشي عينيها.
رأت الصيادين يرمون سهامهم من النوافذ العالية، كل سهمٍ يضيء كنجمةٍ حمراءٍ في ليلٍ بلا قمر.
لكنها… لم تكن سوى ظلٍ صغيرٍ ينسلّ بين الظلال.
الغربان، بذكاءٍ لا يشبه طيورًا، التفّت حولها فجأة، صنعت ستارًا أسود يخفيها عن عيون الصيادين.
جناحٌ وراء جناح، صراخٌ يعلو… وسيراندا تنسلّ من بين الدخان والظلال، مثل أغنيةٍ حزينةٍ تبحث عن نهاية.
دفعت بابًا حجريًا صغيرًا عند آخر القاعة، فتح لها ظلالًا كثيفةً وباردة.
خرجت إلى ممرٍ طويل، سقفه من الحجر المبلّل، ورائحة الرطوبة تختلط برائحة الخشب المشتعل خلفها.
لم تلتفت.
الغربان كانت ما تزال هناك، تصرخ وتحترق، والغراب الكبير… صوته كان آخر شيءٍ سمعته قبل أن تغلق الباب خلفها.
ركضت.
قدماها تدوسان الأرض الباردة، دموعها تنهمر بصمت، قلبها يطرق صدرها كطبول الحرب.
لم تكن تعرف إلى أين…
لكنها تعرفت على شيءٍ واحد: يجب أن تهرب.
في نهاية الممر، خرجت من بابٍ ضيقٍ يؤدي إلى الفناء الخلفي للقلعة.
رأت الغابة مظلمةً أمامها، أشجارها متشابكةٌ كأصابع ساحرةٍ عجوز.
لكن الليل كان أرحم من النار…
قفزت.
قدماها غاصتا في الطين البارد، فرفعت ثوبها الغجري وبدأت تركض.
كان الليل يستقبلها ببرودةٍ لاذعة.
ريحٌ تهبّ من أعماق الغابة، تلامس وجهها مثل يدٍ خفيةٍ تقول: “امضي… فأنتِ الآن تنتمين للظلال.”
ركضت بلا هدى، أوراق الأشجار تعانقها، أغصانٌ تمزق ثوبها لكنها لم تتوقف.
صوت النار خلفها كان يبتعد… لكن ظل الأمير الغراب ظل في قلبها، صوته صدىً لا ينطفئ.
ركضت حتى أوشكت ساقاها أن تتوقفا.
كانت الغابة مظلمةً لكنها بدت أقل رعبًا من النار.
رفعت عينيها إلى السماء… فرأت القمر، نصفه مختفٍ خلف الغيوم.
“احمني…” همست، لكنها لم تعرف لمن توجه صلاتها. ثم… رأت الضوء.
ضوءٌ دافئٌ شق الظلال، شُعاعٌ ذهبيٌّ يتسرّب من كوخٍ صغيرٍ يختبئ بين الأشجار