Posted On مايو 28, 2025

الجزء الاول : أغنية الوحشة,, التي تنزف من القلب

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> عوالم متداخلة , مشاعر >> الجزء الاول : أغنية الوحشة,, التي تنزف من القلب

ما عدتُ أبحثُ عن شيءٍ في وجوه البشر… قررتُ الرحيل، لا إلى مدنٍ جديدةٍ ولا إلى صخبٍ آخر، بل إلى صمتٍ يشبهني. صمتٌ لا يُسائلني عن الماضي ولا يغريني بوهم الحاضر. تركتُ كل شيءٍ خلفي:

ضجيج المدن، كذبة العناوين، زيف المواعيد… حتى الكلمات التي كنتُ أروي بها حزني نسيتها هناك، معلقةً على باب الذاكرة الموصدة.

لم يكن قراري بالهجران لحظة يأسٍ، بل لحظة صحوٍ لم يجرؤ قلبي على الاعتراف بها. لحظةٌ أدركتُ فيها أنّ البشر لا يطعنون خناجرهم في صدري حين يغضبون فحسب، بل حين يضحكون أيضًا…

حين يحتفلون بسعادتهم التي تُبنى من أشلاء روحي.

خرجتُ من المدينة التي شبعتني خيبات، أرتدي ابتسامةً مستعارةً لا يراها أحد. حملتُ حقيبةً خفيفة: فيها دفترٌ خاوٍ من الذكريات، وبعضٌ من الدموع التي هربتُ بها من عيونهم. مشيتُ طويلاً، حتى ابتلعني الغياب.

هناك، بين الأشجار التي لا تسأل عن أحد، وفي ظلّ الجبال التي لا تقيم عزاءً لأحد، وجدتُ نفسي. وجدتُها في عصفورٍ يغرّد وحده، وفي نحلةٍ تراقص زهرةً صفراء دون أن تطلب منها شيئًا. كان في صدر السماء سكينةٌ لم أذقها من قبل. كانت الأرض هنا تُنصت لي، تحنو عليّ، تربت على قلبي حين أرتجف خوفًا من العودة.

تعلمتُ أن أبتسم للطيور التي تأتي بلا موعدٍ، وتغادر بلا وداع. لا تجرحني… لا تُعاتبني… لا تسرقني من نفسي. تعلمتُ أن أُحادث الدعسوقة التي تزحف فوق يدي الصغيرة. أشعر بتمخطراتها على يدي، لا تملك عذرًا لتسابق الريح، ولا تملك ظلًا يثقل خطاها. تضحك لي حين ألمس جناحيها الأحمرين، فأشعر أن في العالم ما زال شيئًا يستحق البقاء.

في هذه الوحدة المختارة، صار قلبي بستانًا خاليًا من الضجيج. صرتُ أبتسم للندى، للغيمة التي لا تهطل إلا في خيالي، ولريحٍ عابرةٍ تهمس لي بأغنيةٍ لا يفهمها إلا من تعلّم لغة الصمت.

ثم جاءني ذئبٌ حزين. رأيته من بعيدٍ، شارد العينين، يتلوّى من جرحٍ غائرٍ في ساقه. تردّدتُ أولًا: أأنا القادر على مداواة الألم، وقد عجزتُ عن تضميد قلبي؟ لكنني اقتربتُ. أمسكتُ بيده المكسوة بالشوك، وضمدتُ جرحه. لم ينبح في وجهي، لم يلوّح لي بفكيه المرعبين. بل أسند رأسه إلى صدري كطفلٍ يتيم. بكينا معًا، أنا وهو. صرنا عائلةً صغيرةً: ذئبٌ حزينٌ وأنا، والدعسوقة التي تتقافز حولنا كأنها تراقب رقصة الفرح في قلبين متشابهين.

عرفتُ أنني لن أعود. البشر هناك يفرحون حين ينزفونك دمعةً، حين يشربون من صبرك كأسًا فيزيدهم نرجسًا. هنا، بين كائناتٍ لا تعرف الحقد، صار جرحي أغنيةً، وصار بكائي صلاةً صامتةً تتفتح معها زهور البراري.

لم يعد للحياة لونٌ واحدٌ عندي. صارت لوحاتي تمتزج برائحة الأرض، صرتُ أرسم وجهي على صفحة الماء، أجدني طفلًا تارةً، وعجوزًا تارةً أخرى، لا يهمني كيف يراني الناس، المهم أنني هنا… حرٌّ من ظلالهم، طليقٌ من قسوتهم.

عندما يحلّ الليل، أستلقي على بساط العشب، أجعل القمر وسادتي، وأسمع حكايا الليل. لا أحلم بعودة أحد، ولا أشتاق لخطواتٍ ابتعدت. اكتشفتُ أن الوحدة ليست موتًا… بل هي الحياة حين تُخلع عنها أقنعة العالم.

في الوحدة، تعلّمتُ أن أفرح بحركة الدعسوقة الصغيرة، أن أبتسم حين يُشرق النهار عليّ وحدي، دون أن أحتاج مباركة بشرٍ غافلين. صرتُ أرى في صمت الليل نشيدًا، وفي دموع الذئب الحزين نورًا لا يخبو.

يا ليتهم يفهمون أنّ في قلبي بحرًا من العزلة، لا يمكن لأشرعتهم أن تبحر فيه، ولا لمجاديفهم أن تلامس ضفافه. لا يريد قلبي منهم إلا أن يتركوني أغني أغنيتي للريح، وأرسم ابتسامتي على جناح عصفور.

يقولون إن الوحدة قاسية… نعم، لكنها قسوةٌ أليفة، لا تقتلني مثلما يقتلني ازدحامهم. الوحدة علّمتني كيف أحب الدعسوقة التي لا تُعاتبني، وكيف أمسح دموع الذئب الذي يشبهني في وحدته. صار قلبي مدينةً للغرباء الذين لا يطلبون أكثر من لحظة صدقٍ.

أنا الآن هنا، بعيدًا عن زيف العالم. أكتب اسمي فوق غصنٍ يابس، وأدعوه إلى الحياة من جديد. أروي للأشجار قصصًا عن حُبٍ لم يكتمل، وأقرأ للريح قصائد لم أجرؤ أن أهديها لأحد. وحدها الدعسوقة تصفق لي، وحدها الطيور تنحني احترامًا لصمتي.

كم مضى من الوقت؟

لا أعلم. في هذا العالم، لا معنى للزمن.

هنا، تُقاس اللحظات بنبضة قلبٍ صادق، لا بساعةٍ تطرق بابك كل ثانيةٍ لتذكرك أنّك تكبر. هنا، أعيش طفولتي التي سرقوها…

وأكتب أحلامي على جناح فراشةٍ هاربةٍ من لعنة الزمان.

Related Post

الجزء الثالث – النهاية التي لا تنتهي

شغلني قبل أن تقرئنا 🎵 أحيانًا أسأل نفسي: لماذا لم أعد أرى العالم كما كان؟…

II الطريق إلى القلعة

بدأت سيراندا تمشي خلف الغراب المرشد، خطواتها بطيئة لكنها تحمل في طياتها وعدًا غامضًا بالنجاة.كانت…

V تهشم الليل

الآن…كانت تركض، تترك وراءها الكوخ الذي كان قبرًا.الغابة أمامها امتدّت كأملٍ بعيدٍ، والريح تعصف بشعرها…