Posted On يوليو 27, 2025

حين رسمتني الوحدة بألمٍ نقي

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> جدار الاحزان >> حين رسمتني الوحدة بألمٍ نقي

لم أعد أرغب في العودة…

ولا حتى في الاعتذار عن غيابي الطويل،

فالذي غاب لم يكن أنا،

بل شظايا رجلٍ تمزقت روحه بين مخالب الإدمان وذئاب البشر.

رجلٌ استهلكوه وهم يبتسمون،

يصفقون له حين ينهار،

ويهتفون باسمه وهو يسقط بلا يدٍ تمتد لتلقفه.

كنتُ هناك…

في العتمة التي لا يُرى فيها الألم،

في الزوايا التي يخشاها الضوء،

في حضن سيجارةٍ تحترق على مهل،

ونشوة لم تكن مخدرًا، بل بابًا نحو موتٍ مؤقتٍ كنت أتمناه دائمًا ولا يكتمل.

لا أحد رآني حين كنتُ أتهالك،

حين تفتّت قلبي كحبرٍ على ورقة مبللة،

حين صارت ضلوعي مرايا تعكس وجوههم…

كلهم،

إلا وجهي.

أنا المدمن الذي لم يكن يبحث عن لذّة،

بل كان يبحث عن “سكوت”،

عن راحةٍ لا تُشترى،

عن ذاكرةٍ بلا مسامير،

عن لحظةٍ واحدة فقط…

واحدة،

لا تؤلمني.

لكن…

ماذا تبقّى مني؟

جسدٌ أنهكته السموم،

وعقلٌ ما عاد يثق حتى في أفكاره،

وروحٌ اعتادت أن تُجلد…

لا لأنّها مذنبة،

بل لأنهم يفضّلونها نازفة.

أنا ذلك الفنان الذي حاول أن يرسم ذاته بلوحة…

فنزف بدل الألوان.

حاول أن يخيط وحدته بخيوط العزاء،

فخنقته الإبرة.

أنا ذلك الذي إذا ابتسم…

تشققت ملامحه كمرآةٍ تعبت من الانعكاسات.

لياليّ ليست لي،

وأحلامي لا تحبني،

وصوتي حين أنادي لا يردّ عليه أحد.

حتى اسمي…

نسيت كيف أنطقه حين لا يُنادى عليه بسخرية أو ندم.

كُنتُ كائنًا يحبّ الجميع،

يحملهم فوق كتفيه…

يمدّ لهم قلبه كأنه مطر.

لكنهم حين أمطرت،

اختبأوا بمظلاتهم،

وتركوا لي الطين والوحل.

عاقبتُ نفسي،

جلدتُها حتى حين كانت بريئة.

أردتُ فقط أن يصفق لي أحد لأنني ما زلتُ حيًا…

أن يقول لي أحد: “أنا أراك”،

لكنّهم كانوا يروني فقط حين أسقط.

اليوم،

جلستُ أمام لوحتي،

مددتُ كفي المرتجفة،

ورسمت…

لا بيتًا،

لا وجهًا،

لا شمسًا…

رسمتُ صرخة.

صرخةً بلا صوت،

بلا كلمات،

بلا أحد ليسمعها.

في تلك اللوحة،

وضعتُ كل السموم التي سكنتني،

وكل امرأةٍ خذلتني،

وكل صديقٍ أدار ظهره لي،

وكل نظرة شماتةٍ مزقتني.

هل ترون الألوان؟

إنها دموعي،

وخطوطي المرتجفة؟

إنها آثار الحبوب حين ترتجف بها يداي.

ذلك الظلّ في الزاوية؟

إنه أنا…

أخفيتُ نفسي من نفسي،

حتى لا أعود.

لم أكتبها لأبيعها،

ولا لأضعها بمعرض،

بل لأعلّقها فوق جدران صدري…

تُذكرني كلما نسيتُ من أكون.

أنا ذلك الذي خسر الجميع…

لكنه وجد نفسه بين الرماد.

ذاك الذي قالوا عنه تالف…

لكنه كان فقط “منهكًا”.

ذاك الذي سخروا من دموعه…

لكنهم لو بُترت أرواحهم كما بُترت روحه…

لما استطاعوا حتى أن يصرخوا.

أنا هنا،

لا أطلب رحمةً،

ولا شفقة،

ولا تصفيق.

أريد فقط أن تتركوني أرسم…

لوحاتي لا تطلب رأي أحد،

هي تشتكي فقط،

تبكي فقط،

وتنقذني…

كلّما شعرتُ أنني سأغرق من جديد.

وإن سألكم أحد:

“أين ذهب ذلك الشاب الذي كان يضحك بصوتٍ عالٍ؟”

فأخبروهم أنني دفنته في لوحة،

زرعت فوقه زهرةً لا تُسقى،

وأطلقتُ سراحه مع أول دخانٍ لم أعد أستنشقه.

أنا الآن أطهر…

لا لأنني بخير،

بل لأنني اخترتُ أن أعيش

دون أن أسمح لأحد أن يسمني بالخطيئة.

أعيش في قلبي و لقلبي

صادق،

أنا مجرد رجلٍ…

أراد أن يرسم ذاته ذات وحدة،

فنزف كل ما فيه…

وصمت

حين نزفتني الألوان

ما عدتُ أرغب في العودة…

ولا حتى في النجاة.

فالناجون يملكون شيئًا للنجاة من أجله،

وأنا…

لم يتبقَّ مني شيء سوى ظلٍ باهتٍ لرجلٍ احترق من الداخل،

وظلّ يرسم نجاته على جدران الانهيار.

كنتُ أكتب،

أرسم،

أتنفس عبر اللوحات،

لكن الفرشاة صارت سكينًا…

تشقّ صدري كلما حاولتُ أن ألوّن وجهي بلونٍ لا يشبه العتمة.

كلما مددتُ إصبعي إلى الضوء،

أحرقتني ذاكرة…

خلفها ألف بابٍ مغلق،

وألف يدٍ دفعتني بعيدًا.

روحي؟

ليست روحًا…

إنها أنقاض،

ركام أصواتٍ كانت تصرخ:

“اصبر، اصمت، كن بخير”،

فصرتُ جدارًا

أخرس،

لا يردّ على أحد…

حتى نفسه.

أنفاسي ثقيلة،

كأنها تخرج من جثةٍ لا تزال تُحاول أن تبرر سبب وجودها،

تبحث عن من يراها دون أن يقرأ عليها أحكامًا،

عن من لا يخاف من كسورها،

من يربّت على حزنها لا ليُسكته،

بل ليمنحه الشرعية.

أنا…

أنا من انهكته الحياة وهو يحاول أن يكون قويًا.

من كانت خطواته تنزف وهو يتظاهر بالثبات.

أنا الذي كان ينقذ الجميع…

ثم يجلس ليرقّع شقوقه وحيدًا،

بلا أحد،

بلا حتى مرآة ترحمه من ملامحه.

جرّبت كل شيء…

لا لشيء،

بل فقط لأصمت الصوت الذي يصرخ في داخلي.

ذلك الصوت الذي لا يريد أن يُسمَع،

ولا أن يُفهم،

بل فقط أن يتوقّف.

وحين جلستُ أمام اللوحة،

أردتُ أن أرسم خريطة نجاتي،

لكنّ الألوان خانتني.

اختلط الأبيض بالأسود،

والأحمر بالرماد،

وخرجت من يدي لوحة…

تشبهني.

مشوهة،

باكية،

تصرخ بلا صوت،

تنزف بلا دم.

رسمتني،

ولم أعرفني.

رأيتُ في عينيّ ظلًّا لرجلٍ فقد الطريق،

ورأيتُ على جبيني أثر يدٍ صفعتني حين كنتُ أطلب حضنًا.

ورأيتُ حول فمي ارتجافة من قال

“أنا بخير” ألف مرة،

ولم يصدقه أحد…

حتى هو.

صرتُ أهرب من البشر،

من نظراتهم التي تُفتّتني،

من ضحكاتهم التي تأتي على أنقاضي،

من صبرهم الزائف الذي يُطالبني بالتماسك،

كأنني خشبةٌ على مسرحهم،

لا يُسمح لي بالسقوط إلا حين يُصفّقون.

أنا يا صاحبي،

لا أبحث عن خلاص.

الخلاص

ترفٌ لا يليق بي.

أنا أبحث عن مكانٍ أنهار فيه بلا خوف،

عن ركنٍ يحتضن هشاشتي كأنها كنز.

عن لوحةٍ تقول لي:

“لا بأس إن كنتَ ممزقًا، فأنت أخيرًا، حقيقيّ.”

كل الأبواب التي طرقتها…

كانت تفتح على فراغ،

وكل الأيادي التي أمسكتُ بها…

سحبتني نحو الهاوية،

ثم قالت:

“لماذا تسقط؟”

وحدها الوحدة منحتني نعمة السكون.

لا أحد يسألني كيف أبدو،

ولا لماذا لا أضحك،

ولا لماذا أهرب من الوجوه.

في هذا الخراب الذي اخترته،

صرتُ أبتسم للفراشه التي تمرّ فوق يدي حين اروي النباتات،

لأنها لا تحمل ذاكرة،

ولا تعنيها عثراتي،

تفرح بي فقط لأنني لا أؤذيها.

وصار قلبي بيتًا للغرباء…

لكن ليس للبشر،

بل للريح،

للعصافير،

للأشجار التي لا تخذل.

لذئبٍ جريحٍ جاءني ذات مساء،

لا ليؤذيني،

بل ليبكي.

بكينا معًا…

هو من جرح ساقه،

وأنا من جرحتُ عمري.

أسند رأسه إلى صدري،

كأنه يقول لي: “أخيرًا…

أحدٌ يشبهني”.

حينها، فهمت.

أنا لست وحدي.

أنا فقط في المكان الخاطئ…

وسط عالمٍ لا يقدّر النقاء إلا بعد أن يدوسه.

وهكذا قررت…

أن أختار نجاتي،

لا من الموت،

بل من الحياة التي تذبحك ببطء،

وتضحك وأنت تنزف.

تركتُ المدينة،

تركتُهم بكل أكاذيبهم،

وتركت معهم ذلك “أنا”

الذي كان يرضيهم دومًا على حسابه.

أنا الآن هنا،

بين لوحةٍ تنزفني،

وقلبٍ بدأ يتعلّم أن يعيش دونهم.

لا أعدكم أنني بخير،

ولا أعدكم أنني عدت كما كنت.

لكنني،

على الأقل،

أصبحت أنا.

بلا أقنعة،

بلا تصفيق،

وبلا حاجة لأن يحبني أحد…

كي أصدق أنني أستحق الحب.

أنا اللوحة التي لم تُكتمل،

لكنها الأصدق.

وأنا الصوت الذي لا يُغنّى،

لكنه الأعمق.

وأنا الشظايا…

التي لم تمت،

بل أعادت ترتيب نفسها لتُصبح شيئًا آخر…

شيئًا لا يُرسم…

لكن يُشعر.

فأنا …. أمير الأحزان

Related Post

العنقاء الذي اختار أن لا يحترق

https://youtu.be/1e9B31FLT-s?si=UVL1J4zSTQ0jA7vp لم أكن رجلًا من لحمٍ وعظمٍ فقط… كنتُ شيئًا آخر. كائنٌ تجاوزته الحكايات وخافت…

جرح الزمان

في ليالٍ لا يطرقها الضوء، تعرّت روحي من كل ما يربطها بالوطن، لا ذكريات سوى…

✦ إلى قلبي في حضورها ✦

أجلسُ أمامك يا قلبي كأنك خصمٌ لا أستطيع الإفلات منه،وأعلم أنّها هناك، في الزاوية، تظن…