Posted On أغسطس 25, 2025

✦ إلى قلبي في حضورها ✦

Qasim Aldayel 0 comments
نقاشات حبرية >> جدار الاحزان , ذكريات عائمة , مشاعر >> ✦ إلى قلبي في حضورها ✦

أجلسُ أمامك يا قلبي كأنك خصمٌ لا أستطيع الإفلات منه،
وأعلم أنّها هناك، في الزاوية، تظن أنني أكتب قصيدة عابرة،
لكنني في الحقيقة أفتح صدري على الطاولة،
وأضع روحي بجانب الوردة كي تراها بلا غلاف.

يا قلبي…
كم خوّفتني، كم جررتني إلى طرق لم أعرف نهاياتها،
أنتَ لست عاقلاً، ولا مدرّبًا على البقاء،
أنتَ طفلٌ يركض في غابةٍ من سكاكين،
وكلّما نزفتَ قلتَ لي: “انظر، هذا هو معنى أن نعيش”.

كتبوا عليّ أن أكون صلبًا،
وأن أتعلم الحساب قبل أن أتعلم الانبهار بالسماء.
قالوا: الرجل لا يبكي، الرجل لا يحلم، الرجل لا يتكلم بلغة لا تُباع ولا تُشترى.
لكنني عصيتهم كلهم، لأنك أنتَ كنتَ تأمرني بعصيانهم.

هل تعلم يا قلبي؟
لم أثق ببشر منذ سنوات،

كنتُ أتظاهر بالحديث والضحك والصفقات،
لكنني كنتُ حارسًا صارمًا،
أقف عند بوابة صدري وأطرد كل طارق.
ثم فجأة، ببراءة، سمحتُ لها أن تقترب،
وكنتَ أنتَ من فتح الباب، كنتَ أنتَ من خلع الدروع.

فهل ألومك؟
أم أشكرك لأنك جعلتني أصدق للحظة أنني لستُ حجراً؟

أنا كتبت الهدايا كما لو كانت رسائل،
كنتُ أناجيها كأنني أستطيع أن أُهدي العالم كله قطعةً من روحي،
كنتُ أنا العاشق الذي لا يساوم،
لا يقف عند عتبة المنطق،
ولا يبيع نصف ابتسامة مقابل نصف اهتمام.

أنا لست بسيطًا…
أنا كائن معقد، أعمق من أن يُحشر في كلمة “خيالي”،
أنا لست غير واقعي،
أنا كنتُ واقعيًا أكثر من اللازم حين سلّمت قلبي للريح،
وأنا أعلم أنّ الريح لا تعود أبدًا بما تأخذ.

يا قلبي…
لماذا فعلتَ هذا بي؟
لماذا حين أحببتَ جعلتَني أرى كل شيء أكبر من حجمه؟
لماذا جعلتَني أصدّق أن لمسة يد يمكن أن تُعيد تشكيل العالم؟
لماذا جعلتَني أرى في ابتسامة صغيرة معنى النجاة،
كأنني كنتُ غريقًا وابتسامتها وحدها خشبة نجاة؟

هي تسمعني الآن…
عينُها تحاول أن لا تلتقي بعيني،
لكنها تعرف أنّ كلماتي تمشي إليها كخناجر مغموسة بالدمع.
وأنا؟ أنا لا أكتب لها…
أنا أكتب لك، يا قلبي، وأعترف أنك أكبر مني،
أنك مجنون، أنني ضعيف أمامك.

لكني لا أريد أن أشفى منك،
حتى لو جرحتني ألف مرة،
حتى لو اتهموني بالطفولة،
حتى لو قالوا عني: “إنسان شاعري زيادة”.

فليقولوا ما يشاؤون…
أنا رجل لم يبع قلبه،
لم يُقايض صدقه ببرودة،
لم يبدل عشقه بابتسامة سطحية.

أنا الذي لو ارتاح أحبّ حتى آخر قطرة،
أنا الذي لو آمن فتح كل الأبواب،
أنا الذي لو كتب جعل الوردة على الطاولة شهادة ميلاد جديدة للعاطفة.

يا قلبي…
أعنفك الآن أمامها،
أصرخ بك: لمَ كسرتني؟

لمَ جئت بي إلى هذه اللحظة؟
لمَ جعلتني أعرّي نفسي في مقهى عادي كأنني نبيّ منسي يصرخ في سوق؟

أزجرك لأنك جرّدتني من حصون عقلي،
أنهرتني لأنك تركتني عاريًا أمام كلمة “غير واقعي”،
هشّمتني لأنك جعلتني أؤمن أن المشاعر تكفي لبناء بيت،
بينما العالم يريد طابوقًا وحجارة.

لكن…
بعد أن أزجرك،
بعد أن أنهرك،
بعد أن أكسر مرآتك بيدي،
أعود وأجمع الشظايا،
أعود وألمّك كما يلمّ الأب طفلًا بكى طويلًا.

لأنك أنتَ أنا،
ولأنني لو تخلّيت عنك فلن أبقى سوى صدفة فارغة،
ولأنك، رغم كل شيء، رغم كل وجع،
تحمل سرًّا لا يحمله أحد:
أن ابتسامة واحدة تستطيع أن تكون العلاج لكل ما كسرتَه فيّ.


ها أنا أصرخ بك وأعانقك في آن واحد،
أكسرُك ثم أبنيك من جديد،
أقتلك ثم أُحييك،
لأنك قلبي،
ولأنني مهما صرخت فيك، ومهما حطمتك،
لن أستطيع أن أعيش بلاك.

أجلسُ، أنفاسي متقطعة،
أضع الوردة على الطاولة مرة أخرى كأنها راية بيضاء،
أرفع عيني إليها في الزاوية،
وأقول بصمتٍ لا يُسمع:
“ابتسامة واحدة منك تكفي…
ابتسامة واحدة منك تُعيد ترتيب الكون كله.”

Related Post

حين اجتمع الغريب مع الآلهة المنكسرة

https://youtu.be/7I3KaZrSAmY?si=n7ouilKuI7vFxyhe ملحمة الجرف الأخير لم تكن هي مجرد امرأة عابرة في دربي، بل كانت، في…

جرح الزمان

في ليالٍ لا يطرقها الضوء، تعرّت روحي من كل ما يربطها بالوطن، لا ذكريات سوى…

صوتي اللي ما ينطفيوو

أنا اليوم بس تعبت…تعبت من دور الحنون اللي ما يلقى حنان،تعبت من حضن ما يحسني،…