ملحمة الجرف الأخير
لم تكن هي مجرد امرأة عابرة في دربي،
بل كانت، في فترة قصيرة، كالعمر كله وقد تكثّف في لحظة،
كانت كالماء حين ينساب على عطش الأرض في أول الربيع،
وكالريح التي تحمل رائحة المطر قبل أن يهلّ،
وكالقصيدة التي لا تعرف كيف وُلدت في صدر شاعرٍ كان يظن أن الوحي قد هجره إلى الأبد.
لكنَّ تلك الشهور التي أضاءت حياتي،
انتهت كالمصابيح التي تنطفئ فجأة، وتركتني في العتمة…
وكانت هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير،
لا لأنها الأثقل،
بل لأنها جاءت بعد حملٍ طويلٍ من الصمت والجراح المؤجلة،
وبعد عمرٍ كنت أظن أنني تعلمت فيه كيف أحتمل.
أخلصتُ لها كما يُخلص الجندي لرايته الأخيرة في معركة بلا أفق،
وأحببتها كما يحب الظمآنُ جرعة الماء في صحراء اليأس،
وأبديتُ لها إعجابًا لا يعرف حسابًا،
وضحيت بما لا يُقال.
كنتُ أراها طوق النجاة،
فإذا بها ترسو بي على شاطئٍ لا مرفأ فيه،
ثم تعود إلى حبيبٍ سابق، وكأنني كنتُ مجرّد محطة استراحة،
أو ظلٍّ يستظل به المسافر حتى تعود له الطرق القديمة.
وضعتني على الرفّ… لا رفّ بيتها أو غرفتها،
بل رفّ قلبها، ذلك الرف العالي الذي تضع عليه الأشياء التي لا تحتاجها الآن، لكنها لا تريد أن تتخلّى عنها تمامًا.
ذلك المساء،
خرجتُ من كل ما حولي،
كمن يخلع جلده ليفتش عن نفسه في العراء.
مشيتُ حتى انتهيت إلى جرف البحر،
حيث الطحالب العفنة تزحف على الحجر،
وحيث الموج يضرب الصخر كأنه يجرّب قسوته،
وحيث الرائحة ثقيلة كالذاكرة التي لا تموت.
جلستُ هناك، في المكان الذي لا يعرفني فيه أحد،
ولا يسألني فيه أحد،
وأطلقتُ بصري إلى الأفق،
فلم أرَ إلا سوادًا يبتلع سوادًا.
كان دمي ينزف من جرحٍ في كفّي، ل
كنه لم يكن دمًا أحمر كما يظن الناس،
بل كان أزرق داكنًا، أزرق كليلٍ بلا نجوم،
أزرق كسماءٍ انطفأ فيها القمر،
أزرق فيه رائحة الحديد وملوحة البحر،
أزرق كحزنٍ قديمٍ لم يُمسّه النسيان.
رأيته يسيل، فيختلط بملح الموج،
وينحدر على الطحالب، حتى صار المشهد كلوحة رسمها مجنونٌ في ساعة الغروب.
وأنا هناك،
أحسستُ بظلٍّ يقف خلفي،
ظلٌّ أعرفه قبل أن أراه،
ظلٌّ يشبه وترًا مكسورًا في منتصف أغنية.
التفتُّ قليلًا، فإذا به أورفيوس،
عازف الحكايات الحزينة،
الرجل الذي نزل إلى الجحيم مرةً من أجل حبّه، فعاد فارغ اليدين إلا من ندمه وأغنيته.
جاء ببطء، كأن قدميه تعرفان أن الاقتراب مني يحتاج إلى حذر،
وجلس عن يميني،
ووضع قيثارته على حجرٍ مغطّى بالطحلب.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال بصوتٍ يشبه همس الريح في شقوق الجبال:
“ألم أقل لك إن الذين يظنون أنهم شُفوا يعودون إليّ؟”
لم أرد. كانت الكلمات تختنق في حلقي، والبحر يملأ الفراغ بيننا بهديره. ابتسم ابتسامة مرة، وقال:
“لقد وضعتك على الرفّ، أليس كذلك؟
رفٌّ أنيق من الخارج،
لكنه من الداخل قفصٌ بلا مفتاح.”
كنت أريد أن أصرخ فيه:
نعم!
لكن صوتي لم يخرج.
اكتفيت بالنظر إلى الموج،
فإذا بظلٍّ آخر يطول من خلف أورفيوس،
ظلٌّ أثقل من الليل،
وأبرد من الماء في قلب الشتاء.
كان مورفيوس،
ربّ الأحلام وسيد الحوافّ،
بثوبه الأسود الذي لا يلتقط الضوء،
وعينيه اللتين تحويان مجرّتين من أحلامٍ لم تكتمل.
لم يمشِ، بل جاء كما تأتي الغيوم،
يزحف الصمت قبله، ويزداد برد الهواء بقدومه.
وقف أمامي، وقال بصوتٍ يشبه انكسار الزجاج في فراغ:
“أتعلم لماذا أنت هنا؟ ليس لأنهم وضعوك على الرفّ، بل لأنك صدّقت أنك لا تستحق الجلوس إلى الطاولة.”
كلماته اخترقتني كرمح، فرفعت رأسي وقلت:
“لقد أخلصت وأحببت وضحيت… ثم تركتني لأتدلّى من حافة النسيان.”
اقترب خطوة حتى كدت أشعر بأنفاسه الباردة على وجهي، وقال:
“أنت لم تحبها فحسب… بل عبدتها. والعبادة لا تليق إلا بربٍّ لا يرحل،
أما البشر، فإذا جعلتهم آلهة، كسروك حين يكتشفون أنهم بشر.”
هنا تدخل أورفيوس،
ووضع أصابعه على الجرح في كفّي،
فتلونت أطرافه بالدم الأزرق، وقال وهو ينظر إليه بدهشة:
“دمك هذا… ليس دم العاديين.
فيه سموم الدنيا التي ابتلعتها،
وخيانة العابرين، ووهم الخلاص من خارجك. لكنه ما زال يحمل لون من لا ينتمي لهذا العالم.”
سكتُ طويلًا.
كان البحر أمامي يزفر موجة بعد موجة،
كأنه يوافقهم.
ثم قلت:
“وأين أنتمي إذن؟
لقد أكلتني الحياة من الداخل،
حتى صار صدري كغرفة مغلقة بلا هواء.”
جلس مورفيوس عن يساري،
لأول مرة يجلس بجانبي، وقال:
“أنت تنتمي إلى الحافة…
إلى هذه اللحظة بين السقوط والبقاء،
ولهذا نحن هنا.”
ساد الصمت،
إلا من صوت الموج.
ثم أخذ أورفيوس قيثارته،
ووضعها على صدري،
وقال: “اشعر بها… فهي ليست مجرد أوتار،
بل نبضك الذي لم تسمعه بعد.”
أغمضت عيني،
فسمعت نبضي متقطعًا،
كقصيدة فقدت أبياتها.
قال مورفيوس:
“هذا ما بقي منك… أجزاء. والأجزاء إما أن صبح موسيقى، أو تتحلّل.”
قلت: “ومن يختار؟”
قال: “أنت…
لكنك تخاف الاختيار.”
هنا تغيّر الجو،
وكأن البحر نفسه قرر أن ينصت.
أخذ أورفيوس
نفسًا عميقًا،
وقال: “الحب الذي جعلك تحيا، هو نفسه الذي يقدر أن يقتلك،
إن جعلته قيدًا بدل أن تجعله جناحًا.”
وأضاف مورفيوس:
“الأحلام التي أنقذتك ليلة،
يمكن أن تخنقك ألف ليلة أخرى،
إن ظننت أنها مكان إقامة وليست طريق عبور.”
اشتد الحوار بينهما،
وكل منهما يشدّني إلى جانبه،
حتى شعرت أنني ممزق بين وتر وأحلام،
بين موسيقى تجرح وتداوي،
وصمت يكشف ويهدم.
بدأ صوت البحر يعلو،
والريح تدور حولنا،
والطَحلب يتمايل في مكانه في البحر ,, كأنه يسمع ما يُقال.
شعرتُ بدموعي تصعد رغمًا عني،
فحاولت إخفاءها،
لكن أورفيوس نظر إليّ وقال:
“دعها تسقط… فالدموع نغمة لا يعرفها إلا من عزف على قلبه الحزنُ حتى انكسر.”
صرخت فجأة: “كفى! أنتما تمزقان روحي.
لقد جئتكم أبحث عن جواب،
فأعطيتماني مرآةً لا أحتمل النظر فيها.”
وقف مورفيوس،
واقترب حتى صار وجهي أمام وجهه،
وقال:
“المرآة لا تجرح… لكنها تكشف الندبة التي تخفيها.”
في تلك اللحظة،
شعرت أن البحر كله اندفع نحونا،
أن الريح تصرخ،
أن القيثارة في يد أورفيوس أطلقت نغمة لم أسمعها من قبل،
نغمة كالسكين،
تشق الروح نصفين.
مددت كفّي، وغرست أصابعي في دمي، ثم رسمت دائرة على الصخر أمامي،
وقلت: “هنا تنتهي اللعبة.
لن أعيش لى الرف لأحد،
ولن أعبد بشرًا،
ولن أنتظر حلمًا يُلقى إليّ من بعيد.
أنا الحلم… أنا النغمة… وأنا الجرح.”
تراجع أورفيوس،
كأنه رأى في وجهي ما لم يره من قبل.
وانحنى مورفيوس قليلًا، وقال:
“إذن… لقد بدأت.”
رحلا، كما جاءا،
تاركَيْن خلفهما هدير البحر وإيقاع قلبي.
جلست على الجرف طويلًا،
أنظر إلى الأفق الذي بدأ يضيء قليلًا،
وأدركت أنني لن أشفى من هذا الألم…
لكنني سأحمله معي،
كنغمة خفية لا يسمعها إلا من جلس على جرفه،
وسكب دمه الأزرق على الصخر،
وأقسم ألا يعود إلى الرف أبدًا.
بعد أن غاب أورفيوس ومورفيوس عن ناظري،
لم يغب صوتهما عن أذني،
بل صار البحر يرددهما،
والموج يكررهما في كل ارتطامة،
كأنهما لم يرحلا بل ذابا في عناصر المكان،
في الملح، وفي الطحلب، وفي الدم الأزرق الذي لا يزال يلوّن كفيّ.
جلست على الصخر،
والريح تمرّ على وجهي كما تمرّ أصابع أمٍّ عجوز على جبين ابنها المريض،
محاولةً أن تمنحه بردًا يوقظه لا بردًا يميته.
كنتُ أفكر: ماذا يعني أن تبدأ؟
هل البدء أن تنفض عنك الغبار وتنهض؟
أم أن البدء أن تعترف بأنك ما زلت جالسًا في مكانك، لكنك تنظر إليه بعينين جديدتين؟
كنت أشعر أنني ما زلت هنا،
على الجرف ذاته،
لكنني لست الذي جاء قبل ساعة،
فقد تغيّر شيء في داخلي،
شيء لم أسمع اسمه من قبل.
رفعت بصري، فإذا الغيم قد اجتمع في كتل سوداء متصلة،
حتى كاد البحر يصير مرآةً لسماءٍ غاضبة.
ورأيت في البعيد ظلّ طائرٍ يمرّ،
لا أعرف إن كان يبحث عن اليابسة أم يهرب منها.
تذكرت كلمات مورفيوس: *”أنت تنتمي إلى الحافة…
إلى اللحظة بين السقوط والبقاء.
“* وتذكرت كلمات أورفيوس:
“الحب الذي جعلك تحيا، هو نفسه قادر على أن يقتلك.”
كانا يتحدثان عن الحافة وكأنها موطن طبيعي،
وعن الحب وكأنه سيف ذو حدين،
ولم أكن أعلم قبل هذا اليوم أنني أقف فعلاً على حدّ السيف.
مددت يدي إلى البحر، لمست الماء المالح،
وشعرت أنه أكثر صدقًا من كثير من الوجوه التي رأيتها.
الماء لا يدّعي أنه غير ما هو عليه،
لا يتجمّل ليخدعك، لا يغيّر لونه من أجل أن يحبّه أحد،
بل يظل كما هو،
فإذا أحببته أحببته على حقيقته،
وإن كرهته كرهته لأنه صادق في ملوحته.
فكرت في وجوه البشر…
كم منهم يشبه الماء؟
وكم منهم يشبه الزجاج الملوّن الذي لا يريك الحقيقة بل يريك ما يريدك أن تراه؟
كنت أعرف أنني أحببت زجاجًا ملوّنًا،
وأنني رأيت فيه سماءً وهمية،
لكنني لم أندم،
فالزجاج الملوّن منحني لحظات من الجمال، حتى وإن كان جمالاً لا يعيش خارج الإطار الذي صنعه.
الريح تشتدّ… الموج يرتفع… وشيء في الأفق يتحرك.
نهضت واقفًا، لا لأهرب،
بل لأواجه ما يقترب.
ومع كل خطوة على الصخر، شعرت أن الحافة تصبح أضيق،
وأنني إن لم أحذر فسأهوي. لكنني لم أخف…
لم أعد أخاف السقوط، فقد علمتني تلك الليلة أن السقوط أحيانًا هو الطريق الوحيد إلى النهوض.
وفجأة…
سمعت النغمة.
لم تكن من البحر، ولا من الريح، ولا من طائرٍ في السماء.
كانت من خلفي. استدرت، فإذا أورفيوس قد عاد، لكن هذه المرة بلا قيثارة، بل حاملاً شيئًا آخر…
صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه نقش غامض.
اقترب، ووضع الصندوق بيننا،
وقال: “هذا ليس لك، إلا إذا قررت أن تتحمل وزنه.”
قلت: “وما فيه؟”
قال: “فيه كل الأغنيات التي لم تعزفها بعد،
كل الكلمات التي لم تكتبها،
كل الحب الذي لم تعطه…
لكنه أيضاً فيه كل الدموع التي ستسقط حين تفتحه،
وكل الليالي التي ستعود فيها إلى هذا الجرف باحثًا عن جواب.”
ترددت، ثم وضعت يدي على الغطاء،
لكن قبل أن أفتحه، جاء مورفيوس من الجهة الأخرى،
كأنما خرج من البحر نفسه، قطرات سوداء تتساقط من عباءته،
وعيناه تلتمعان بوميض لا يشبه النار ولا يشبه النجوم.
قال: “احذر… فإن فتحت الصندوق قبل أن تنضج، غرقْتَ فيه.”
قلت: “وما النضج؟”
أجاب: “أن تعرف كيف تحمل أغنياتك دون أن تغرقك،
أن تعرف كيف تحب دون أن تصبح عبدًا،
أن تعرف كيف تحزن دون أن تنكسر،
وأن تعرف كيف تسقط دون أن تظلّ ساقطًا.”
نظرتُ إليهما… شعرت أنهما ليسا خصمين،
بل وجهين لعملة واحدة،
وأن الصراع لم يكن بينهما،
بل بيني وبين نفسي،
بين الجزء الذي يريد أن يعيش في الحلم،
والجزء الذي يصر على مواجهة الحقيقة.
جلست بينهما،
وأغمضت عيني،
وتركت البحر يتكلم عني،
وسمعت داخلي جملة لم اعلم من أين جاءت:
“لستُ هنا لأُشفى… بل لأتعلم كيف أعيش بلا شفاء.”
فتحت عيني، وابتسمت…
كانت ابتسامة رجل يعرف أن الجرح سيظلّ معه،
لكنه سيجعله تاجًا لا قيدًا.
أخذت الصندوق،
ووضعتُه بجانبي،
ولم أفتحه.
نظرتُ إلى أورفيوس،
فابتسم كمن يفهم أن الانتظار أحيانًا أعظم من العجلة،
ونظرتُ إلى مورفيوس،
فهزّ رأسه كمن يمنح موافقة صامتة.
ثم… رحلا مرة أخرى،
لا بخطوات، بل كما يختفي الحلم عند اليقظة.
بقيت وحدي، مع البحر، مع الصندوق،
ومع الدم الأزرق الذي صار يجفّ على كفّي كختم لا يمحوه الزمن.
رفعت رأسي إلى السماء،
وقلت بصوتٍ عالٍ:
“لن أعود إلى الرفّ، ولن أعبد بشرًا، ولن أنتظر حلمًا يسقط من يد إله.
أنا الحلم… أنا النغمة… أنا الجرح… وأنا الناجي.”
كان الموج يصفق للصخرة، وكانت الريح تدور حولي، وكان داخلي… ولأول مرة منذ زمن بعيد…
ثابتًا.
كان الهواء قد استوى على صمته
\ أسندتُ الصندوق الخشبي إلى ركبتيّ وأدرتُه بين كفّيّ كمن يلامس قلبًا لم يُجَرَّب بعد،
كان النقش على غطاء الصندوق يشبه خطوطًا متقاطعة من ليلٍ وماء،
لا تُقرأ إلا إذا أصغيتَ بسمعٍ لا تملكه إلا بعد أن يشيخ بك الألم،
مددتُ أصابعي إلى الحافة،
واستراح الظلّ حولي كما تستريح سفينة عند رصيفٍ لا اسم له،
تذكّرتُ قول مورفيوس: احذر…
فإن فتحتَه قبل أن تنضج، غرقتَ فيه،
وتذكّرتُ ابتسامة أورفيوس التي لا تُطمئن ولا تُخيف،
كأنها ميزان يُبقي الروح معلّقة كي تتعلم وزنها،
سألتُ نفسي:
وهل نضجت؟
ثم ضحكتُ ضحكةً قصيرة لا تشبه الأفراح،
وقلت: لا شيء يسبق التجربة إلا العجز عنها،
وفتحتُ الصندوق.
لم يصدر صريرٌ من مفصلٍ خائن،
ولم تهبّ رائحة خشبٍ قديم،
بل انفتح الصندوق كما تنفتح العين في آخر الليل على نورٍ لا يُحتمل،
أو كما تتشقّق السحابة عن برقٍ يقطع القلب من جذره،
لم أرَ شيئًا في البداية،
رأيت فقط اتساعًا يتّسع،
فراغًا يتكاثر،
وهديرًا بلا صوتٍ يهبط من سقف السماء إلى قاع صدري،
ثم تبيّن لي ما في داخله: لم تكن فيه أشياء،
بل لحظات،
كانت اللحظات ملفوفةً في شرائط من ضوءٍ خافت،
كلّ شريطٍ عليه نقشٌ صغير،
أسماء لم أعد أجرؤ على نطقها،
تواريخُ أعرف كيف أهرب منها في النهار وأرتطم بها ليلًا،
رفعتُ أول شريط، فإذا بيدي ترتجف كما ترتجف يدُ من يمدّها إلى نافذة قطارٍ يمضي بحياته،
وما إن لامستُه حتى رأيتُ المشهد:
أنا وهي، شهرا العُمر القصير،
حنانٌ انهمر كأنّ الله قرّر أن يضع على صدري جفاف سنينٍ ويشربه دفعةً واحدة،
كانت تضحك،
وكانت يدي كيد طفلٍ أُعيد إليه اسمه بعد ضياعٍ طويل،
عدتُ إلى الصندوق وأنا أعضّ على شفتيّ كيلا ينفلت منّي نواحٌ قادم،
رفعتُ الشريط الثاني،
فانسكب وجعي على الحجر كالماء المغلي الذي يفتّت الطحلب،
رأيتُ نفسي حين وضعتني على الرفّ،
لا كما ظننتُ يومها،
بل كما حدث:
لم ترفعني هي وحدها،
رفعتُ نفسي معها،
ساعدتها كي لا تتعب،
أمسكتُ بالمسمار كي لا يجرح يدها،
ثبتُّ اللوح على خشبيّةٍ كنتُ قد صمّمتها من قبل دون أن اعلم،
ثم وُقّع الحكم باسمي،
يومها ذكرتُ أنني هززت رأسي وقلت:
لا بأس،
الحبُّ يقتضي أن نؤجل أنفسنا قليلًا،
والآن رأيتُ أنني أجّلتني كثيرًا حتى لم يبقَ مني ما يُعاد تقديمه.
أعدتُ الشريط إلى الصندوق كما يعيد العائدُ من جنازةٍ قبعته إلى رأسه،
وهو يظنّ أنه سيحتمي بها من المطر،
لكن المطر داخله لا خارجه،
مددتُ يدي إلى شريطٍ ثالث،
فانتفض البحرُ كله،
لا أدري أكان ذلك من الريح أم من عينٍ ثالثةٍ انفتحت في صدري،
رأيتُ فيه مشهدًا لم أكن أريد أن أراه،
رأيتني وأنا أصبح عبدًا لإمكانية الغياب،
أحبّها، نعم، لكنني أحببتُ معها طوق النجاة الذي ظننتُ أنه سيبقي رأسي فوق الماء،
فإذا بطوق النجاة يتحوّل إلى سلسلة،
وإذا بالعناق يصبح إبرة مخدّرٍ أحقنه في وريدي كل مساء،
كيلا أسمع صوت البيت وهو يتهدّم فوقي،
أغمضتُ عينيّ، وصرخت:
، يكفي،
فانبثق من عمق الصندوق همسٌ لا يشبه همس الأحياء:
افتح الرابع،
فإنك لن تنهض على قدمين حتى ترى الاثنتين اللتين تعثّرتَ بهما.
فتحتُ الرابع، ورأيتُ طفلاً في داخلي،
يصرخ ولا يسمعه أحد،
يحمل لوحًا صغيرًا ويكتب عليه:
أنا هنا،
أنا هنا،
ثم يأتي أحدهم ويمسح اللوح بكمّه ويقول:
اصمت، لا تفضحنا،
فتعلم الطفل أن يكتب على هواءٍ لا يُرى،
وأن يصرخ في وسادةٍ لا تنقل الصوت،
وأن يحبّ في الظلّ كيلا يرى أحدٌ أن حبه أكبر من قوانين البيت،
ابتلعتُ ريقي كما يبتلع الغريق آخر جرعة هواء قبل أن يسقط إلى قاعٍ لا يملك فيه قدمًا،
قلت: يا أنا، متى تعلّمتَ أن تحبّ بهذه الطريقة؟
متى تعلّمتَ أن تُعطي حتى تنقطع يدك،
وأن تصمت حتى يظنّ الناس أن صوتك زينة؟
وانحنى رأسي فوق الصندوق لا لأسند عليه وجهي،
بل كي أسمع،
إذ صار للصمت في تلك اللحظة صوتٌ أعرفه ولا أجرؤ على تسميته.
لمستُ حافة الصندوق،
فبردت كفّي،
كأنّ يدًا من ثلجٍ مرّت في دمي ومسحت عنّي حرارة التوجّس،
وهناك… رأيتهما واقفين،
لم يبتعدا كثيرًا كما ظننت،
كان أورفيوس عند حافة ضوءٍ لا يأتي من السماء ولا يصعد من البحر،
وضعتُ عيني عليه فرأيتُ في وجهه اعترافًا لا يحتاج إلى لغة:
أنا قدتُكَ إلى هنا، لكنك افتحتَ الباب وحدك،
وأومأ مورفيوس برأسه كما يومئ الراهب لمن يتلو صلاته الأخيرة:
لقد نضجتَ بالقدر الذي يكفي كي لا تغرق في صندوقك.
قلت بصوتٍ لم أعد أفرّق هل هو لي أم للصدى:
وماذا بعد؟ أأغلقه وأهرب؟ أم أفتحه كلّ ليلة حتى أنام على حافّة جرحٍ يبتسم؟
قال أورفيوس: لا تغلقه ولا تسكنه،
الصندوق ليس بيتًا ولا تابوتًا،
الصندوق مرآة،
والمرآة إن أطلتَ النظر فيها سرقتْك،
وإن مررتَ بها وأنت تمشي أعادتْ إليك خطوتك،
وقال مورفيوس: ستفتحه حين تحتاج أن تتذكّر لماذا نجوت،
لا لماذا سقطت، فإن فتحتَه لتنتقم من ماضيك،
عاد الماضي فانتقم منك،
وإن فتحتَه لتغفر لظلك وهو يتلعثم،
أضاء الظلُّ طريقك.
رفعتُ الصندوق ووضعته إلى يميني،
ثم وقفتُ، كان الوقوفُ هذه المرّة ليس تمرّدًا على الجاذبية،
بل مصالحةً معها،
أمهلتُ جسدي حتى يستقيم كما يستقيم وترٌ قبل أن يُمسَّ بالعود،
شعرتُ بأنّ قدميّ لا تريدان التسرّع،
وأنّ ركبتين تذكّرتا فجأةً أنهما تحملان رجلاً لا يريد أن يهرب،
في تلك اللحظة شعرتُ بشيءٍ غريبٍ يسري في أطرافي:
خفّةٌ لا تأتي من فقدان الوزن، بل من استرجاعه من أكتاف الآخرين،
كأنّ حقائب كانت على كتفيّ ووضعتها على الأرض دون أن أكره أحدًا،
فقط قلتُ لها: آن لك أن تبقي هنا،
فأنا ماضٍ إلى مكانٍ لا يحتاج إلى متاع.
هبّت ريحٌ من جهة الغرب،
جاءت محمّلةً برائحة قهوةٍ بعيدة،
تذكّرتُ طاولتي،
الورقة البيضاء،
الوتر الرفيع المربوط على معصمي،
قلتُ في نفسي: لم يعد الليل يملك ما يبتزّني به،
فإذا كان البحر كلّه أمامي ولم يغرقني،
فكيف يغرقني كوبٌ من الذكرى؟
ثم، وكأنّ السماء قررت أن تختبرني قبل أن تسلّمني إفراجًا نهائيًا،
سمعتُ وقع خُطا على الحجر،
التفتُّ، لم تكن هي، ولم يكن شبحًا، كانت الذكرى نفسها تمشي بملامح لا تشبه إلا ما في رأسي،
أتت وجلسَت على حجرٍ مقابل،
لا تبتسم ولا تبكي،
فقط تنظر،
قالت بعينين لا شفاه لهما:
أتُراك تكرهني الآن؟
فابتسمتُ ابتسامةً هادئة، وقلت:
لو كرهتُكِ لانكسرَ فيّ شيءٌ لا يرمم،
أنا لا أملك رفاهية الكراهية،
لقد دفعتُ كلّ مالي للعاطفة،
ولن أشتري بها سلاحًا لقتل ما تبقّى مني،
أنا فقط… أضعكِ في مكانك الذي يليق:
هامشٌ لا يتعدّى حدّه،
ظلٌّ لا يبتلع المتن،
وموجةٌ لن تصبح بحرًا.
انحنت الذكرى،
أو هكذا خُيّل إليّ،
ثم تلاشت كما يتلاشى بخارُ نفسٍ على زجاج نافذةٍ باردة،
فلم أشعر بفقدٍ جديد، بل شعرتُ بفراغٍ يتّسع لي،
كأنّ الغرفة التي في صدري كانت مليئةً بأثاثٍ ليس لي،
وحين أخرجته لم أغدُ فقيرًا،
بل أصبحتُ أمتلك مساحة.
كان لزامًا، وقد وصل النصُّ إلى حافّته،
أن تأتي الذروة كما تأتي السكين إلى ثمرٍ نَضِج،
لا لتقتله، بل لتُظهر لُبَّه،
مددتُ يدي إلى الصندوق مرةً أخيرة،
فخرج منه شريطٌ لم ألمسه،
خرج وحده، ليس عليه اسمٌ ولا تاريخ،
فقط خيطٌ رفيع من ضوءٍ يدور حول نفسه كما يدور الحنين حين لا يجد شيئًا يلتصق به،
رفعته، وما إن لامستُه حتى شعرتُ أن الأرض كلّها تميل،
وأن البحر يرتفع،
وأن السماء تنخفض،
وأن صدري صار قُبّةً تُذاع فيها صلاةٌ قديمة،
رأيتُني في غرفةٍ مظلمة،
ليليّةٍ كقبو،
على سريرٍ لا يعرف إلا جهةً واحدة،
على الباب ظلّان:
أورفيوس يضع قيثارته على الأرض لأول مرة، ومورفيوس يعلّق عباءته على مسمارٍ في الحائط ويكشف عن صدرٍ مليءٍ بعلاماتٍ من بردٍ ونار،
قال أورفيوس: ضع يدك هنا، على هذا العظم الذي يسمّونه القصّ،
هنا تعيش الأغنية التي لا تُسمع،
وقال مورفيوس: وضع يدك الأخرى هنا،
على هذا العظم الذي يسمّونه القصّ أيضًا،
فالأسماء تلتقي حين تختلف،
هنا يعيش الحلم الذي لا يُرى،
فعلتُ، فاجتمع العظمُ بالعظم،
وانطبقت اليدان على بعضهما كجسرٍ بين ذاتين،
وفُتح شيءٌ في منتصف الصدر كما يُفتح بابٌ من حجرٍ إلى حديقةٍ تحت الأرض،
خرج هواءٌ بكاء،
خرج صمتٌ صراخ،
خرجت دموعٌ لم أعرف أن الجسم يحتفظ بها لهذا اليوم،
انفجرتُ، لا كالغضب،
بل كالينبوع،
سال كلُّ ما ادّخرته سنواتٌ من السعال المكبوت والأغاني المحبوسة،
بكيتُ حتى لم يعد للبكاء معنى،
وحتى صار للسكوت طعمُ الماء البارد بعد عطشٍ النهائيّ،
سقطتُ على ركبتيّ،
لا لأنني انهزمت،
بل لأن قيامي احتاج إلى ركوعٍ يسبق الصلاة.
في تلك الذروة التي تشبه موتًا صغيرًا،
لم أسمع عزفًا،
ولم أرَ حلمًا،
سمعتُ فقط خفقةً واسعةً،
خفقةً كمن يرفرف جناحاه لأول مرة وهو لا يصدّق أنه ليس طائرًا من ورق،
رأيتُ الصندوق وهو ينغلق من تلقاء نفسه،
لا ليحبسني،
بل ليحفظ سرّي،
رأيتُ أورفيوس يلتقط قيثارته في هدوءٍ رجلٍ أنهى عمله بلا فخر،
ورأيتُ مورفيوس يلبس عباءته من جديد كما يلبس الجندي سترته بعد حمّامٍ بارد،
ولم يقولا شيئًا، كان كلامهما قد انسكب في دموعي وصار لغتي الجديدة.
طال السكون،
ثم نهضتُ،
نهضتُ وأنا أشعر بأن حنجرتي واسعةٌ بما يكفي لاسمٍ كامل،
وأنَّ كتفيّ خفيفتان بما يكفي لحمل يومٍ جديد،
وأنَّ قدميّ صالحتا الطريق بلا شروط،
وضعتُ الصندوق تحت إبطي كما يضع العاملُ صندوق عدّته بعد أن أصلح خشبة الباب الأخيرة في بيته،
نظرتُ إلى البحر، قائلا:
يا أمّ الملوحة، يا مدرسة الرجوع،
لا أريد أن أكون أسيرَك ولا خصمَك،
أريد أن أكون ابنك الذي يعرف متى يدخل ومتى يخرج،
رفعتُ حجراً صغيرًا من الأرض، قبّلتُه، وألقيتُه في الماء،
لا كمن يرمي خاتمًا ولا كمن يدفن سرًّا،
بل كمن يعلّم الماء اسمه:
هذا أنا، وهذا صوتُ سقوطي، وهذه دوائرُ نجاتي.
التفتُّ، لم أجد الطحالب كما كانت،
كانت أكثر اخضرارًا،
أو لعلّ عينيّ تعلّمتا أن ترى الأخضر في العفن حين يقرّر أن يصبح حياة،
ومضيتُ، خطوةً بعد خطوة، وللمرة الأولى منذ بدأتُ هذه الملحمة،
لم أنظر خلفي لأرى هل يتبعني ظلّي،
تركتُ الظلَّ يسبقني، فهو يعرف الطريق إلى البيوت أكثر مني،
وأنا أعرف الطريق إلى النافذة أكثر منه.
مررتُ على صخرةٍ كنتُ أستند إليها حين يضيق صدري،
ضربتُها بكفّي، لم تصدر صوتًا،
كانت قد حفظت يدي،
ابتسمتُ لها، وشكرتها ، لن أعود إليك لأبكي،
سأعود لأقرأ عليك ما كتبتُ حين جفّ الملح عن جرحي،
نزلتُ السلم الطبيعي الذي صنعته الأعوام في خاصرة الجرف،
كلُّ درجةٍ فيها قصة، وكلُّ قصةٍ فيها درسٌ لا يقبل البدائل،
وحين وصلتُ إلى الرمل،
كان الرملُ رطبًا بما يكفي لطبع قدمٍ لا تريد أن تُمحى سريعًا،
تركتُ أثرًا واحدًا،
ثم المشي على أثره،
لا لأنني أحنّ إلى ما فعلته،
بل لأرى كيف يتحوّل المعنى إلى عادة.
كانت المدينة تنتظر بعيدًا، أضواؤها تخفت وتلمع على إيقاع قلبٍ جماعي،
سياراتٌ تذهب وتجيء كأنّها رئاتٌ كبيرةٌ تتنفّس عن ناسٍ نسوا كيف يتنفسون وحدهم،
وأنا بين البحر والمدينة،
بين الملح والضوء،
بين أورفيوس ومورفيوس،
بين صندوقٍ تحت إبطي وطاولةٍ تنتظرني في غرفتي،
أحسستُ أنني للمرة الأولى لا أحتاج إلى أن أخبر أحدًا بما حدث،
لأن ما حدث صار في نبرة مشيتي،
في شكل كتفيّ،
في ملوحة عرقي،
في ثقل عينيّ حين تبتسمان دون إذن،
في الطريقة التي سأطلب بها قهوتي،
في الكلمة التي لن أقولها كيلا أبيع صمتي بثمنٍ بَخْس.
وعندما دخلتُ المدينة،
كان الصبح قد بدأ يضع يده على جبهة الشوارع،
يوقظها من ليلها الطويل،
الجدران رطبةٌ قليلاً من ندى لا يُرى،
والعامل الذي يغسل الرصيف يفكّر في خبزه،
وأنا أفكّر في ورقتي،
فتحتُ باب بيتي بلا رهبة،
كأنني أتعلّم للمرة الأولى أن الباب لا يُفتح بالاعتذار،
بل بالمفتاح،
دخلتُ، وضعتُ الصندوق على الأرض،
لا على الرف،
ولن أضعه على الرفّ أبدًا،
الرفوف للأشياء التي نستعرضها كي نصدّق أننا نملكها،
أمّا الكنوز التي تنقذنا فنخفيها حيث لا تصل إليها إلا يدُنا،
علّقتُ عباءتي على ظهر الكرسي،
و وضعت فيدورتي على جانب الطاولة حيث جلست ،
سحبتُ الورقة البيضاء،
وضعتُ الحجر الصغير على طرفها كيلا يطيرها الهواء،
مررتُ إصبعي على السوار الرفيع حول معصمي الأيمن،
جذبتُه قليلاً، رنَّ رنينًا لا يسمعه إلا من نجا من متحفٍ جميل،
أمسكتُ القلم، وبدأتُ أكتب.
لم أكتب عنها لأستعيدها،
ولا كتبتُ عنّي لأتبرّأ منها،
كتبتُ لأنّ الكتابة هي الفعل الوحيد الذي لا يُفْسِدُه الندى،
ولا يشتريه الملح،
كتبتُ ملحمةً لا تُغرق قارئَها في زخرفةٍ لا تُطعم،
ولا ترفعه على حروفٍ تُدوّخه،
كتبتُها كما يمشي رجلٌ من البحر إلى المدينة وهو لا يخاف أن يلتفت
لأنّ رقبتَه صالحت الماضي ولا تريد أن تنكسر مرةً أخرى،
كتبتُ وأنا أعلم أنّ القارئ الحقيقي هو أنا بعد أعوام،
حين أعود إلى هذا الصباح وأقول:
هنا تعلّمتُ أن الشعرات لا تقصم ظهورنا لأنها ثقيلة،
بل لأننا نؤجّل قرارَ وضع الحمل حتى يصبح القشُّ جبلًا،
وهنا أدركتُ أن شهريْن استطاعا أن يكونا عمرًا،
لا لأنهما وُهِبا لي من يدٍ كريمة،
بل لأنني دخلتهما بقلبٍ مفتوحٍ على سعته،
وهنا فهمتُ أنّ دمًا أزرقَ داكنًا يمكن أن يصبح حبرًا تكتب به اسمك على حجر،
وحين يمرّ البحر يمحو كلّ شيءٍ إلا ذلك الاسم.
وحين فرغ حِبري،
أو خِلتُ أنه فرغ،
رفعتُ رأسي،
كانت الشمس قد اصبحت،
ولكنها لم تكن قاسية،
كانت مثل أمٍّ تعرف أن طفلها خرج للتوّ من مرضٍ طويل،
فلا تضعه في ساحة اللعب قبل أن يثبت على قدميه،
أخذتُ نفسًا عميقًا،
ليس نفسَ بحرٍ ولا نفسَ مدينة،
بل نفسَ رجلٍ يعرف أن رئتيه لم تعودا استعارة،
ابتسمتُ دون أن أنتبه،
وقلتُ بصوتٍ لا يسمعه غير القلم:
ها أنا ذا… رجلٌ لا ينتظر رفّ أحد،
ولا يعلّق نجاته على مسمارٍ في قلبٍ آخر،
رجلٌ إذا جاءته حنينٌ من الماضي
– تلك الحنين التي لم تدم إلا شهرين وكانت عمرًا جميلاً
– رحّب بها كزائرةٍ عزيزة،
وقدّم لها قهوةً على طاولةٍ في صدره،
ثم ودّعها عند الباب بلا دموعٍ تُغرق البيت،
لأن الدموع التي تستحقُّ الانسكاب،
سالت كلّها ليلتئذٍ،
عند الجرف،
حين صار الصندوق بابًا، والأغنيةُ سكينًا،
والحلمُ مرآة،
وأنا…
أصبحت النغمة التي لا تحتاج إلى عازفٍ كي تُسمَع.
وفي المساء،
حين تعود المدينة إلى ضجيجها،
وحين يطرق الحنين بابي بسبابته الخفيفة،
سأفتحه له إن شئت،
أو أتركه ينتظر حتى يرحل،
سأمشي إلى نافذتي،
أفتحها،
أدعو الهواء إلى صدري كما يُدعى صديقٌ لم يخذلني قط،
أنظر إلى يدَيّ،
إن رأيتُ زرقةً خفيفةً في الأصابع،
عرفتُ أنها ليست بقايا سموم الدنيا،
بل أثرُ حبرٍ جديدٍ يكتب به القلبُ إذا قرّر أن يكبر،
سألمس السوار الرفيع على معصمي،
فإن رنّ،
ابتسمتُ،
وإن صمت،
ابتسمتُ أيضًا،
لأنّ الإيقاع الذي صار في خطوتي لن يضيع بغياب جرسٍ علّقته لليلة واحدة كي لا أنام وأنا على رفٍّ يدّعي أنّه نجاة،
ثم سأطفئ الضوء،
لا لأغرق في عتمة،
بل لأرى ذلك الضوء الصغير الذي خرج من صدري على هيئة قنديلٍ حارس،
يرحّب بي إلى فراشي،
ويهمس لي كما يهمس الأورفيوس الذي في داخلي والمورفيوس الذي في حلمي:
نمْ، فإن النهار الذي كتبتَه اليوم جديرٌ بأن يُستَكمَل غدًا،،
و الجرف الذي نجوتَ منه ليس لعنة،
بل اسمٌ آخرُ من أسماءك الجديدة،
وكلّما نسيتَ، فالبحرُ قريب،
والصندوقُ في موضعه،
والطاولةُ ثابتة،
والرفُّ…
الرفُّ لم يعد لك.
فأنا ,, زيفيريوس
Zephyrios