Posted On مايو 30, 2025

جرح الزمان

Qasim Aldayel 0 comments

في ليالٍ لا يطرقها الضوء، تعرّت روحي من كل ما يربطها بالوطن، لا ذكريات سوى نبضٍ خافت يتلوّى بين أضلعنا في زنزانة الغربة. كنا ثلاثة، لا يجمعنا سوى الحنين إلى الدفء وابتسامة الأم الغائبة في الغبار. في ليلة ممزقة بالأنين، التقت دموعنا فوق بلاطٍ باردٍ خشنٍ، تذوقنا فيه طعم الرطوبة الممزوجة برائحة العفن. ولم يكن في القلب متسع سوى لصرخاتٍ لم تجد حنجرةً تنطقها

كنت أراه — صديقي — يتصبب وجعه من بين مسام وجهه، فيما أنا غارقٌ في صمتي، كأنني محكومٌ بالصمت الأبدي. كنت أحاول أن أرتق جرحه بكلمة، بحضنٍ، لكن كيف يحضن الجسد مَنْ تفصله القضبان عن الحياة؟ كنا نتحسس الليل بأصابعٍ تنزف، ونسترق النظر من نافذةٍ صغيرة لا تسمح إلا بقطرة ضوءٍ متعبة. كان الضوء كالمطر النازل في صحراءٍ عطشى، لا يكفي ليشفي أرواحنا، لكنه يوهمنا بأن غدًا ما زال ممكنًا.

في ردهات التعذيب، تُولد أصواتٌ غريبة، كأنها حفيف شجرٍ يئن تحت الريح، أو نواح أبوابٍ عتيقة تتكسر مع كل ضربة. كنت أسمع صديقي يختنق، وعيناي تلتصقان بسوادهما الذي صار باهتًا، كل يومٍ يطفأ لونًا من عينيه، حتى صارتا مرآةً عمياء. كانوا يقتادونه كل ليلةٍ، ولا يعود إلا خيطًا من دمٍ أزرق، يجر قدميه بألمٍ لا يعرفه سوى من وطأه جرح الزمان.

وحين جاء الليل الذي لا ينسى، كنت هناك، جالسًا في زاوية زنزانةٍ لم يعد فيها ما يذكّرني بالبشر. كنت أسمع وقع خطواتهم، قسوة الأحذية على الأرض، ورائحة البارود التي التصقت بجدراننا حتى صار صداها يتردد في أحلامنا. دخلوا عليه، كأنما جاؤوا ليقضموا آخر ما تبقى من روحه. لم أصرخ، لم أبكِ، كنت أنظر إليه كما ينظر القمر إلى شظايا الغيوم، يعرف أنها زائلة لكنه يظل معلقًا بالأمل.

عادوه إليّ بعد ساعاتٍ بدت دهرًا. رموا جسده في حضني، كأنما أرادوا أن يزرعوا موتَه في صدري. كنت أصرخ اسمه، لكن صرختي كانت بلا صوت، كانت همسًا متحشرجًا عالقًا بين شفتي المرتعشتين. استقر رأسه على ركبتي، عيونه نصف مفتوحة، فيها رجاءٌ لم أستطع قراءته. دموعه المتجمدة على وجنتيه كانت لؤلؤًا مهشمًا، وأنا عاجزٌ عن لملمته.

مرت دقائق، أو ربما قرون، وأنا أغني له بصوتٍ لا يسمعه أحد. أروي له عن طفولتنا المعلقة على شرفة بيتنا في الوطن، عن رائحة الخبز، وضحكاتنا التي كانت تتسابق مع زقزقة العصافير. لكن لا العصافير هنا، ولا دفء يمد يده إلينا. ابتسامته، تلك التي رسمها قبل أن يسقط، تلطخت بدمٍ أزرقٍ سال من فمه كجدولٍ صغير، نقيٍّ رغم عنف الوجع. دمٌ بكبرياءٍ عنيد، دمٌ لم يرضخ حتى وهو يكتب آخر وصاياه على بلاط الغربة.

وقعتُ على الأرض، مغشياً على قلبي، لا على جسدي. كنت أحضن جثته كما تحضن الأم طفلها الميت، والبرد يزحف على أطرافنا، كأنه يكتب نشيد الموت بأصابعٍ جليدية. وجهي دفنته في صدره، أبحث عن نبضٍ ضاع بين الضلوع، عن نسمةٍ هاربة من بين شفتيه. كان صوته قد اختفى، لم يبقَ إلا طنين صدى التعذيب، ينهشني من الداخل.

حين فتحت عيني، وجدت نفسي في غرفةٍ بيضاء. شراشفها بيضاء، جدرانها بيضاء، حتى صمتها أبيض. ظننتني متُّ معه، وأن هذا هو موتي المؤجل. لكن طنين أجهزة القلب كان يفضح ذلك الوهم. كنت حيًا، والحيُّ في موتٍ أطول من موتٍ فعلي. رأيت في عيون الممرضين نظراتٍ غريبة، كأنهم يقرأون على وجهي قصيدةً لم تُكتب بعد.

في تلك الغرفة، ظلت صورته تطاردني، ظلت صرخة اسمه — تلك التي لم يسمعها ( أحمد ) — تحترق في حنجرتي. كنت أرددها في صمتي:
“لا تتركني وحدي…”
“ارجع…”

لكني كنت وحدي. الوحدة هنا، لها شكلُ جرحٍ لا يُرى، كأنما روحي غُسلت بماءٍ ملحيٍّ، تُلهبها كلما تنفست. يداه — اللتان ماتتا بين يدي — كانتا ثقيلتين على ذاكرتي، لا تنزاحان مهما تظاهرت بالتماسك. كلما أغمضت عيني، عاد مشهد سقوطه، وصدى تعذيبه كخنجرٍ يشق صدري.

في الليل، في تلك الغرفة الباردة، كنت أسمع دقات قلبي تُعنّفني، تذكرني أنه ما زال عليّ أن أعيش في عالمٍ لم يعد فيه صديقي. كلما سمعت جهاز نبضي، تذكرت كيف سقط جسده على صدري، وكيف مات دون أن يرى ضوء الحرية، دون أن يشم هواء الوطن، دون أن يعرف أني لمسة الابن, كنا نسلي ارواحنا بخيالات عائلاتنا. كنا نروي قصص عائلاتنا بصمت نظراتنا.

مشيت في الممرات المضيئة ببياضٍ مريض، أتعثر بخطاي وكأن الأرض صارت مقبرةً لا تنتهي. كل ابتسامةٍ من ممرضٍ، كل همسةٍ مطمئنة، كانت خنجرًا يغوص في صدري. كيف أشرح لهم أني أعيش مأتماً سرمدياً، وأن العالم كله صار قبراً لجثةٍ لا تُرى إلا في داخلي؟

وحين خرجت من المستشفى، كان النهار كاذبًا. الشمس التي سطعت كانت ضوءًا بلا دفء، والريح التي داعبت وجهي لم تأتِ بعطر الياسمين الذي حلمت به، بل حملت رائحة صدئةً، تذكرني بزنازيننا القديمة. مشيت في الشارع كمن يمشي على أطراف جرحه. رأيت المارة يبتسمون، يضحكون، يركضون خلف أحلامٍ بسيطةٍ: قهوةٌ ساخنة، أو قبلةٌ مسروقة. وأنا، كل أحلامي ماتت في حضن ليلةً لم يغادرها الليل.

صرت أرى ظله في كل مكان. في انعكاس نافذةٍ، في ظل شجرةٍ، في صدى ضحكةٍ غريبة. صار صوته حنجرتي المبتورة. كلما أردت أن أتكلم، خرج صوته من فمي، كأنه ترك لي ميراثه الوحيد: وجعه. وكان الوجع ملوّحًا بعلمٍ من دمٍ أزرق، يرفرف في رئتي مع كل شهيق.

لم أعد أبحث عن الحياة كما كنت، لم أعد أؤمن بأن الصباح بداية جديدة. صار الصباح لعنةً بيضاء، غرفةً جديدةً من غرف التعذيب، لأنني ما زلت أرى صديقي وهو يسقط، ما زلت أرى روحي تتساقط معه، كأننا عالقون في مشهدٍ لم يجد المخرج طريقةً لإنهائه. وحين تذكرت اسمه، تلك الصرخة التي لم يسمعها أحد، عرفت أن بعض الأسماء تنزف فينا حتى حين نبتسم.

مرّ عامٌ، أو ألف عامٍ، وأنا أحمل ذلك الجسد في قلبي. كلما رآني الناس هادئًا، كانوا يظنون أني بخير. لكن ابتسامتي كانت تلطخت بذلك الدم، ذلك الدم الذي صار وشمًا على شراييني. كانوا لا يرون في عيوني ذلك الليل الذي لا يغادر، ولا يسمعون في صمتي همس الأنين. لكنني كنت أعرف: أنا صرت قبرًا متنقلًا، أمشي في شوارعٍ لا أملك فيها اسمًا، أحمل موت صديقي كنشيدٍ داخلي، نشيدٍ لا يعزفه إلا قلبي.

وهكذا، في كل مرةٍ أسمع فيها طنين الأجهزة الطبية، أعود إلى تلك الغرفة البيضاء،

إلى تلك اللحظة التي عرفت فيها أن الحياة ليست سوى صدى جرحٍ لم يعرفه بشرٌ من قبل.

جرحٌ لا يُرى، ولا يُشَمّ، ولا يُعرَف.

جرحٌ خُلِق فقط ليعلّمني أن هناك موتًا أسوأ من الموت…

وهو أن يبقى من تحبّه حيًا في قلبك، في حين مات بين يديك.

Related Post

حين اجتمع الغريب مع الآلهة المنكسرة

https://youtu.be/7I3KaZrSAmY?si=n7ouilKuI7vFxyhe ملحمة الجرف الأخير لم تكن هي مجرد امرأة عابرة في دربي، بل كانت، في…

V تهشم الليل

الآن…كانت تركض، تترك وراءها الكوخ الذي كان قبرًا.الغابة أمامها امتدّت كأملٍ بعيدٍ، والريح تعصف بشعرها…

II الطريق إلى القلعة

بدأت سيراندا تمشي خلف الغراب المرشد، خطواتها بطيئة لكنها تحمل في طياتها وعدًا غامضًا بالنجاة.كانت…